المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن خلدون الجزء الثاني


amin23
08-10-2008, 04:22 PM
ابن خلدون والسياسة
مما يلفت الانتباه والنظر في حياة ابن خلدون ، لاسيما منها تلك الفترة التي اشتغل فيها بالسياسة ، أنها لم تكن تخلو من خلق (ربما لايتصف بها ابن خلدون وهي صفات (لغدر والنفاق والانتهازية )لان ابن خلدون كان عالما حتى ولو اشتغل بالسياسة فهذه الصفات بمجموعها هي صفات مذمومة لاتنطبق على عالم مثل ابن خلدون .
وهذا الأمر يكاد أكثر الباحثين يتفقون عليه
.يقول الدكتور علي الوردي ، عالم الاجتماع العراقي فالمعروف عن ابن خلدون انه كان لايستقر في ولائه على شيء وكثيرا ما كان ياملق من يرجو المنفعة عنده ويبدي له إمارات الإخلاص والنصيحة ، حتى إذا رآه مهزوما أو مغلوبا قلب له ظهر المجن وأسرع الى خصمه الغالب يتملق له على منوال ما فعل مع سلفه .الظاهر انه كان يحب الجاه والمنصب حبا جما ، وهو لايبالي إن يدوس على جميع المبادئ الخلقية في سبيلهما .(5)علي الوردي
ويغلب الظن انه كان مصاب بعقدة نفسية طاحنة شغلت باله واجهدته زمنا طويلا .ولاشك إن هذه العقدة ضعفت لديه بعد كتالة المقدمة ، إنما هي لم تذهب عنه ذهبا تاما ، فقد ظل يعاني منها قليلا أو كثيرا ، حتى أخر يوم في حياته .(6)أن رأي الدكتور الوردي كان قاسيا لأنه ربما كان لاياخذ بالنظر الاعتبار الظروف المحيطة بابن خلدون وهي الظروف المليئة بالصراع والفوضى أحيانا ، وربما كان ابن خلدون له العذر في ذلك لاسيما وان له من الحساد والمناوئين ما يجعله أحيانا يسلك سلوكا كهذا فهو بشر يحاول التخلص من المأزق الذي ربما وضعه له مناوئيه
كان ابن خلدون حسن الصورة بارع الحديث وكان فوق ذلك يملك لباقة دبلوماسية ممتازة ، ويعرق كيف يتصرف مع الملوك ويتحبب الى قلوبهم .ولعل هذا هو الذي جعل الملوك يحاولون اجتذابه إليهم على الرغم من إشهاره بقلة الوفاء (7) إن البراعة والحنكة التي يمتع بها ابن خلدون هي التي جعلته يصار الى مواصل إليه من رفعة ومجد علمي انعكس ذلك على سلوكه الأخلاقي .
مهما يكن الأمر فقد ساءت سمعة ابن خلدون في المغرب ، ولما رحل الى مصر وتولى فيهل منصب القضاء ، عجب أهل المغرب من ذلك ونسبوا الى المصريين قلة المعرفة(8) حتى ابن عرفة قال لمل قدم الى الحج تعد خطة القضاء أعظم المناصب .فلما بلغ ابن خلدون ولي القضاء عددناها بالضد من ذلك ))(9) .
وقد نسبوا ليه انه كان عند توليه القضاء يكثر من ازدراء الناس ويشتد من التعسف فيهم والزجر لهم ، إنما هو لايكاد يعزل من القضاء حتى يصبح إنسان أخر فيأخذ بالتودد الى الناس والتواضع لهم ، يقول البشتى عنه انه ((يكثر الازدراء بالناس ، وانه حسن المعاشرة إذا كان معزولا فقط ، فإذا ولي المنصب غلب عليه الجفاء والنزق فلا يعامل بل ينبغي إن لايرى ))(10)
إن هذه التهم ربما كانت ملفقة مكذوبة اختلقها الخصوم على ابن خلدون أو بالغوا فيها . ولكننا نلاحظ إن من بين الذين ذكروا ها ووثقوا بصحتها ابن حجر العسقلاني . وهذا الرجل من ثقات المحدثين ، وكان ممن عاصروا ابن خلدون وتتلمذوا عليه . ومما تجدر الإشارة إليه إن ابن حجر على الرغم من ميله الى ذم ابن خلدون وذكر مثالبه يقول عنه ((لم يشتهر عنه في منصبه إلا الصيانة ))(11) .
نستطيع إن نستنتج من هذا إن ابن خلدون كان من طراز أولئك الناس الذين لايحبون المال بل يحيون الجاه والمنصب (12). يعتقد الباحث ان رأي استأذنا الوردي فيه شيء من القسوة والمبالغة فهو يحاكم ابن خلدون ليس باعتباره بشرا يحب ويكره كما يحب غيره من البشر
والظاهر انه كان يحب منصب القضاء لما فيه من نفوذ وإمرة .ولعله كان يتكالب على منصب القضاء في مصر كما كان يتكالب على منصب الإمارة في المغرب ، إذ هو يجد فيهما ما يشبع شهوته الى الجاه . ومن هنا وجدنا ه يشمخ بأنفه حين يتولى المنصب فإذا عزا عنه ذل وتواضع .
يمكن القول إن هذه طبيعة كل الناس الذين هم من هذا الطراز آذهم يعدون المنصب مقياس عظمة الإنسان ، فإذا نالوه شعروا بالضعة فيتصاغرون . والملاحظ أنهم حتى إثناء رفعتهم وتكبرهم لاتوانون عن التصاغر والتملق لمن هو أعلى منهم في المنصب . فهم كمثل ما يتكبرون على من هو دونهم ، يتصاغرون لمن هو فوقهم وقد رأينا من أمثال هؤلاء الناس كثيرون ، في زماننا وفي كل زمان .
نموذج من سلوكه
حفظ لنا التاريخ نموذجا للطريقة التي كان ابن خلدون يتملق بها للأمراء.
وهذا النموذج لم يروه خصوم ابن خلدون إنما رأوه ابن خلدون نفسه في كتاب ((التعريف ))، حين ذكر تفاصيل مقابلته لتيمورلنك خارج أسوار دمشق عام 803هـ .
خلاصة القصة إن جيش تيمورلنك كان يحاصر دمشق بغية احتلالها عنوة أو صلحا .وكان ابن خلدون آنذاك في دمشق ، فخشي إن تقع المدينة في يد تيمورلنك فيكون نصيبه الموت . فغلب عليه إذا ذالك حل المغامرة والأثرة ، فذهب الى السور وتدلى من فوقه بحبل ثم مضى يتلمس مقابلة تيمورلنك .يقول ابن خلدون :
((فوقع في نفسي لأجل الوجل الذي كنت فيه إن أفاوضه في شيء من ذلك يستريح إليه ، ويأنس به منى ، ففاتحته وقلت : أيدك الله لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك . فقال لي الترجمان عبد الجبار :وما سبب ذلك ، فقلت : أمران ، الأول انك سلطان العالم ، وملك الدنيا وما اعتقد انه ظهر في الخليقة منذ ادم لهذا العهد مللك مثلك ولست ممن يقول في الأمور بالخزاف ، فاني من أهل العلم ، وأبين ذلك فأقول ))
واخذ ابن خلدون يشرح الأمرين الذين أشار إليهما .
فذكر أولا كيف إن الدول لاتقوم إلا بالعصبية ، وان على كثرتها يكون قدر الدولة .وأراد ابن خلدون من ذلك إن يبرهن لتيمورلنك على انه أعظم ملوك الأرض قاطبة ، إذ إن العصبية التي معه هي أعظم العصبيات في العالم . ثم عرج ابن خلدون بعد ذلك الى الأمر الثاني وهو ماكان يسمعه في المغرب على لسان المنجمين وشيوخ المتصوفة عن قرب ظهور الثائر العظيم تنطبق كل الانطباق على صفات تيمورلنك عز نصره (13)
ويعتقد الباحث إن ذلك من سبيل التخلص من المأزق الذي وضعهم تيمولنك به وقد برع ابن خلدون في التخلص منه إن سلوك ابن خلدون كان في سبيل النجاة في الحياة حيث كان تيمور لنك قاسيا يعذب من يغضب عليه عذابا شديدا وهناك ابن عربشاه إن تيمولنك أمر لهم الطعام ، فنشر لهم السماط أكواما من اللحم المسلوق ، ووضع إمام كل منهم ما يليق به . فتعفف البعض منهم عن الأكل تنزها ، وتشاغل آخرون بالحديث عنه ، بينما اخذ بعضهم يلتهم الطعام التهاما . وكان ابن خلدون من بين الآكلين وانتهز ابن خلدون المناسبة بأعلى صوته ((يامولانا الأمير . الحمد لله العلي الكبير . لقد شرفت بحضوري ملوك الأنام ، وأحييت بتاريخي ما ماتت لهم من أيام .ورأيت من ملوك الغرب فلانا وفلانا ، وحضرت لدى كذا وكذا سلطانا ، وشهدت مشارق الأرض ومغاربها ، وخالطت في كل بقعة أميرها ونائبها . ولكن الله المنة إذ امتد بي زماني ، ومن الله على بان حياني ، حتى رأيت من هو الملك على الحقيقة ، والمسلك بشريعة السلطنة على الطريقة . فان كان طعام الملوك يؤكل لدفع التلف ، فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف .))
يقول ابن عربشاه : فاهتز تيمور عجبا ، وكاد يرقص طربا ، واقبل بوجه الخطاب إليه ، وعول في ذلك دون الكل عليه ، وسأله عن ملوك الغرب وإخبارها ،ة وأيام دولها وأثارها . فقص عليه من ذلك ما خدع عقله وخلبه ، وجلب لبه وسلبه (14)

ويحدثنا ابن خلدون كيف انه صار في رعاية تيمورلنك وفي ضيافته خمسة وثلاثين يوما ، وهي المدة التي مكث فيها ابن خلدون في دمشق قبل إن يرجع الى مصر ، وكتب ابن خلدون إثناء تلك الفترة المدة رسالة عن جغرافية المغرب طاعة لأمر تيمورلنك . والمضنون إن تيمورلنك كان عازما على فتح بلاد المغرب فأراد إن يتعرف على جغرافيتها سلفا . وقد أتم ابن خلدون الرسالة في اثني عشر كراسة ، فقدمها الى تيمورلنك ، فأمر بترجمتها الى اللغة المغولية (15)
وأحب ابن خلدون أخيرا إن يقدم لتيمورلنك هدية تزيد من حضوته عنده ، فاشترى من سوق دمشق ، مصحفا رائعا ، وسجادة أنيقة ، ونسخة من قصيدة البردة ، وأربع علب حلاوة مصر الفاخرة . فتقبل تيمورلنك الهدية بقبول حسن واظهر السرور بها .
مما تجدر الإشارة إليه أن دمشق كانت حينذاك قداستسلمت لتيمورلنك ، فانتشر فيها النهب والحرق ، وامتدت النيران تأكل المدينة أكلا حتى اتصلت بالجامع الأموي فسال رصاصه وتهدمت سقوفه وجدرانه . فكان أمرا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح _ على حد تعبير ابن خلدون (16)
أيام الشباب
إن الصورة التي قدمها الدكتور الوردي صورة قاتمة عن علامة كبير هو ابن خلدون ويستمر في وصف أخلاقه ويقول ( هذا الذي ذكرناه يعطينا صورة واضحة لخلق ابن خلدون وبراعته في النفاق والتملق. والغريب انه فعل كل ذلك وكان عمره ينوف على السبعين عاما حيث إن ابن خلدون قدبدل سلوكه بعد كتابة المقدمة ، فاخذ يتجه نحو الاشتغال بالسياسة .
يقول الدكتور عبد الواحد وافي في وصف فترة الشباب من حياة ابن خلدون )) : وقد قويت حينئذ لدى ابن خلدون نزعة ذميمة ، يصرح هو نفسه بتصويرها ولا يحاول إخفائها ، وان كان يلتمس لها المعاذير والمبررات ، وهي نزعة انتهاز الفرص بأي وسيلة ، وتدبير الوصول الى المقاصد من أي طريق . فكان لايضره ، في سبيل الوصول الى منافعه وغاياته الخاصة ، أن يسيء الى من أحسنوا إليه ، ويتآمر ضد من غمروه بفضلهم ، ويتنكر لمن قدموا له المعروف . وظلت النزعة رائدة في مغامراته السياسية وعلاقاته بالملوك والأمراء والعظماء منذ صلته بوظائف الدولة حتى مماته ))(17) . يعتقد الباحث أن المبالغة والحكم على تصرفات إنسانية ظاهرة بنبغي تحليلها ونقدها وليس بوصفها مثل هذه الأوصاف التي ربما تجافي الحقيقة .
ويقول الأستاذ محمد عبدا لله عنان من تصرف ابن خلدون تجاه احد لملوك تلك الفترة (وقد كان تصرفه في حق السلطان أبي عنان بادرة سيئة تنم عن عواطف وأهواء ذميمة ، بيد انه لم يكن وليد خطاء مؤقت ، بل كان بالعكس عنوان نزعة متماثلة في النفس ، وثمرة مبدأ راسخ ، كان ابن خالدون رجل الفرص ، ينتهز ها بأي الوسائل والصور ، وكانت الغاية تبرر لديه كل واسطة ، ولا يضيره في ذلك أن يجزي الخير بالشر والإحسان بالأساة ، وهو صريح في تصوير هذه النزعة لايحاول إخفائها ....(18)
رأي العلامة الدكتور على الوردي بابن خلدون من الناحية الأخلاقية والسياسية
ان المعجبين بابن خلدون يحاولون تبرئته من وصمة النفاق والتملق ، وبالتالي فأنهم لا يستطعون إن يتصورون مفكرا عظيما كابن خلدون يسير في سلوكه الشخصي على هذا النمط الذميم ، ولعلهم يرون إن الرجل مادام عظيما في تفكيره فلابد إن يكون عظيما في سلوكه أيضا .
إن هذا رأي لا يلائم ما يقوله به العلم الحديث ويعتمد عليه إليه الدكتور الوردي في نقده الى ابن خلدون في أمر تكوين الشخصية في الإنسان ومدى الصلة بين السلوك والتفكير فيها . فا لإنسان قد يكون ذا تفكير عظيم جدا ، وهو في الوقت ذاته ذو سلوك منحط .
كان الفلاسفة القدامى يعتقدون أن السلوك نتاج التفكير، وكلما صح تفكير الإنسان صح سلوكه كذلك . وهم إذا رأوا أنسانا ذا أخلاق وضيعة نسبوا ذلك الى الجهل وسقم التفكير ، ولا يزال هذا الرأي سائدا على أذهان الكثير ين حتى يومنا هذا .(19)
هناك نقطة تلفت النظر كما أشار إليه الدكتور الوردي في أمر ابن خلدون ، ولعله يتميز بها عن أمثاله من أصحاب العقد السيئة . فالمعروف عن هؤلاء إن سلوكهم الشخصي لايظهر أثره في كتاباتهم واضحا ، وكثيرا ما نراهم أولى شخصية مزدوجة يفكرون على نمط ويساكون على نمط أخر . إما ابن خلدون فكان على العكس من ذلك ، إذ إن سلوكه الشخصي يظهر واضحا في كتاباته ، وقد يصدق عليه من بعض الوجوه ما وصفه المغربي حين قال : أن باطنه وظاهره سواء (20)
نجده في كتاب التعريف يذكر الأفعال الانتهازية بذكر الأفعال التي قام بها في أيام شبابه بصراحة عجيبة ، لايرئي فيها أو يعتذر عنها . وكأنه كان يعدها امرأ طبيعيا لاداعي لكتمانه .(21)
يعتقد الباحث ان ابن خلدون يعد المنشئ الأول لعلم الاجتماع، وتشهد مقدمته الشهيرة بريادته لهذا العلم، فقد عالج فيها ما يطلق عليه الآن "المظاهر الاجتماعية" ـ أو ما أطلق عليه هو "واقعات العمران البشري"، أو "أحوال الاجتماعي الإنساني فانه قد يبرر سلوكه هذا بقدرته العجيبة على دراسة مجمل المظاهر الاجتماعية واختبارها بما يتماشى مع طبيعة المجتمع وليس كما يصفه استاذنا الوردي بهذه الصفات