شرح الفصل بين السلطات عند الفقهاء [الأرشيف] - Forum des Ingénieurs Maghrébins

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح الفصل بين السلطات عند الفقهاء


مجيدس
24-09-2011, 09:05 AM
تعريف الفصل بين السلطات :
فصل السلطات هو مصطلح صاغه المفكر السياسي الفرنسي البارون دي مونتسكييه (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%88%D 9%86%D8%AA%D9%8A%D8%B3%D9%83%D 9%8A%D9%8A%D9%87&action=edit&redlink=1) ،فصل السلطات هو أحد مبادِئ الديمقراطية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1 %D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9) فهو نموذج للحكم الديمقراطى للدول. هذا النموذج هو الذي يعرف أيضا Trias Politica.
نموذج فصل السلطات الأول وضعه الاغريق في الدساتير التي تنظم مدينتهم. ومع ذلك، فإن فصل السلطات دخل حيز الاستخدام الواسع النطاق أولا من جانب الجمهورية الرومانية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87 %D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%A 7%D9%84%D8%B1%D9%88%D9%85%D8%A 7%D9%86%D9%8A%D8%A9). وقد ورد في دستور الجمهورية الرومانية.
في اطار هذا النموذج، فان الدولة مقسمة إلى فروع أو سلطات، كل سلطة منفصلة ومستقلة في صلاحيات ومجالات المسؤولية. العادي تقسيم السلطات إلى السلطة التنفيذية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7 %D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8 6%D9%81%D9%8A%D8%B0%D9%8A%D8%A 9)، والسلطة التشريعية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7 %D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B 4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A 9)، والسلطة القضائية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7 %D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B 6%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9).
عند الفقيه لوك

أولا: السلطة التشريعية
أولى لوك أهمية للسلطة التشريعية واعتبرها الهدف الأول لجميع الدول عند تأسيسها، وهذه السلطة التشريعية التي ستعمل من أجل الخير العام ليست السلطة العليا في المجتمع فحسب، بل أيضا سلطة مقدسة لا تتغير، وهي سلطة عليا لأنه لا يجوز لأي شخص كان ومهما كانت سلطته أن يصدر مرسوما أو قانونا لا تصادق عليه هذه السلطة التشريعية.
ولكن سمو شأن السلطة التشريعية لا يجعل منها سلطة تعسفية تعمل ضد حقوق الأفراد ومصالحهم، وهي سواء كانت متجسدة في شخص واحد أو في عدة أشخاص، وسواء كانت متواصلة أو متقطعة فلا يمكنها أن تتجاوز في ممارستها السلطة التي كانت لأفراد المجتمع في حالة الطبيعة لأنها منبثقة من هؤلاء الأفراد، فلا يمكن لهؤلاء المنشئين لها أن يمنحوا صلاحيات تفوق الصلاحيات التي هي في ملكهم أصلا.
كما يضفي لوك نفحة دينية على تصوره للسلطة التشريعية ومداها وذلك عكس هوبس - فمن هم في السلطة التشريعية يسنون قواعد هدفها تنظيم أفعال سائر الناس- وأفعال الناس ينبغي أن تتفق مع السنة الطبيعية أي مع الإرادة الإلهية " ولما كانت السنة الطبيعية وبالتالي الإرادة الإلهية تهدف إلى بقاء النوع البشري فكل تشريع بشري يتنافى معها باطل لاغ".
ويؤكد لوك على الحكم بالقانون فهو يرى أن السلطة التشريعية حتى وإن كانت منبثقة عن رضا الناس وموافقة أغلبيتهم لا يمكنها أن تحكم بشكل ارتجالي بل يجب أن تسن القوانين الواضحة والدقيقة التي يعلمها الناس، وينبغي أن تسند أمر فض النزاعات إلى قضاة معروفين.
كما أن هذه السلطة العليا – السلطة التشريعية – عليها أن تحافظ على أملاكم الناس، فلوك خصص فصلا كاملا للحديث عن الملكية ومركزية حق الملكية سواء في حالة الطبيعة أو في حالة المجتمع المدني، فما حذا بالناس إلى التجمع وتشكيل الدولة إنما هو خوفهم على ضياع حقهم بالملكية الذي كانوا يتمتعون به في حالة الطبيعة، إذن على السلطة التشريعية أن تحترم حق الملكية وألا تنتزع شيئا من أملاك أحد من دون موافقته.
إن القول بأن السلطة التشريعية هي أسمى السلطات، يعني تلقائيا أنه لا يجوز للهيئة التشريعية أن تتخلى عن سلطة وضع القوانين لأية هيئة أخرى.
إلا أن لوك لا يعتبر السلطة التشريعية كجهاز أو مؤسسة دائمة وقارة بل هي وظيفة تسند لأشخاص مختلفين يقومون بسن القوانين ثم يتفرقون في حال سبيلهم ويصبحوا مواطنين عاديين، فالثابت والدائم هي القوانين وليست السلطة التشريعية كمؤسسة.

ثانيا: السلطة التنفيذية
القوانين التي تسنها السلطة التشريعية والتي هي قوانين دائمة وثابتة، تحتاج إلى من يسهر على تنفيذها لأن المكلفين بالسلطة التشريعية يضعون القوانين ثم ينفرط عقدهم ويتحولون إلى مواطنين عاديين يخضعون بدورهم للقوانين، إذن لا بد من وجود سلطة متميزة عن الأولى تسهر على تنفيذ القوانين الموضوعة وهي سلطة آمرة وتحت مراقبة السلطة التشريعية، وإذا كانت السلطة التشريعية تجتمع عند الضرورة فقط، فإن السلطة التنفيذية سلطة دائمة ومتواصلة.
ولكن هذا لا يعني أن عمل السلطة التنفيذية مقتصر على تنفيذ القوانين بل يجوز لها في بعض الحالات أن تمارس التشريع ويحدث هذا في الأنظمة الدستورية المعتدلة كالأنظمة الملكية المعتدلة حيث يقتضي خير المجتمع أن تترك عدة شؤون لاجتهاد السلطة التنفيذية، ويرجع هذا لأن المشرعين لا يستطيعون عند وضع القوانين الإلمام بكل الأمور، فهناك أمور لا يوجد عليها نص قانوني كما أن هناك أمور تستجد وتطرأ فجأة ولا تحتمل انتظارا فيكون واجب كل من هو على رأس السلطة التنفيذية اتخاذ قرار عاجل، كما أن لوك أجاز من أجل المصلحة العامة اتخاذ السلطة التنفيذية قرارا قد يتعارض مع نص قانوني.

ثالثا: السلطة الاتحادية
أما السلطة الثالثة فهي السلطة الاتحادية أو الدولية وهي سلطة تتكلف بالأمور المتعلقة بعلاقة المجتمع بالعالم الخارجي، فمجالها خارجي كإعلان الحرب وإقرار السلم والانضمام إلى الأحلاف وتوقيع المعاهدات إلخ، وهناك علاقة وثيقة بين السلطتين التنفيذية والاتحادية " فهما تكادان تكونان دائما ملتحقتين واحدتهما بالآخر".
إن لوك الذي تنسم أريج الفكر الليبرالي واختبر الحكم الاستبدادي ومساوئه وعاصر ولادة اللبرالية والبرلمان قد وجد في الملكية المعتدلة أو المقيدة خير نظام حكم، وهو نظام لا يلغي حريات الأفراد وحقوقهم الطبيعية، بل وُجد للحفاظ عليها وتنظيمها فالأفراد أنابوا للحاكم صلاحية الإشراف على حقوقهم الطبيعية وتنظيمها وهو إن فشل في ذلك فمن حقهم عزله وتنصيب آخر محله ويمكن تلخيص أفكار لوك السياسية التي جعلته من رواد الديمقراطية كما يلي:
1. أن الناس جميعا أحرار ويتمتعون بنفس الحقوق السياسية،
2. للإنسان حقوق طبيعية ليست منحة من أحد ولا يجوز لأحد اغتصابها لأنها من خصائص الذات البشرية كحق الملكية وحق الحياة،
3. الناس جميعا متساوون فلا يعلو أحد على آخر أو يستبد أحد بآخر،
4. تقوم السلطة السياسية على أساس تعاقدي وبالتراضي بين طرفي العقد، بمعنى أن الحاكمين مقيدين برضا وموافقة المحكومين،
5. الحكم القائم على العقد والتراضي يكون برضا الأغلبية،
6. تقوم الحكومة على أساس فصل السلطات مع إعلاء شأن السلطة التشريعية على غيرها من السلطات،
هذه الأفكار عند لوك كانت جد متقدمة بالنسبة لسابقيه، وخصوصا أنه ميز بين سلطات ثلاث، وميز من جهة أخرى بين الدولة والحكومة، فالدولة قائمة ومستقرة حتى وإن تبدل من هو على رأس السلطة، كما يعود له الفضل في إعادة صياغة مفهوم المصلحة العامة أو الخير العام الذي يُكثر من الحديث عنه، وهو مفهوم سبقه إليه كثيرون كشيشرون في حديثه عن "الشيء العام" وتوماس الأكويني في حديثه عن "الخير المشترك" إلا أن لوك جعل انسجاما طبيعيا عفويا بين المصلحة الفردية من جهة ومتطلبات لمصلحة العامة من جهة أخرى.
وأخيرا نشير إلى أن أفكار لوك كان لها صدى إيجابي عند مفجري ثورة 1688 الإنجليزية، وثورة 1776 الأمريكية.
عند مونتسكيو:

: مونتيسكيو "روح القوانين"

(1689-1755)

يرى مونتسكيو أن الحرية السياسية لا تضمن إلا في الأنظمة المعتدلة التي لا تعرف تعسفا في استعمال السلطة بفضل مبدأ فصل السلطات حيث تميل كل سلطة إلى الحد من الأخرى فيقول " إن التجربة الخالدة تبين أن كل إنسان يتمتع بسلطة ما يميل إلى إساءة استعمالها وهو يذهب في هذا الاتجاه إلى أن يجد أمامه حدودا من كان يقول ذلك، إن الفضيلة نفسها بحاجة إلى حدود فلكي لا يكون بالإمكان إساءة استعمال السلطة يجب على السلطة بفعل ترتيب الأشياء أن توقف السلطة إن هكذا دستور يمكن أن لا يكره أي شخص على فعل الأشياء التي لا يجبره القانون على فعلها وعلى عدم فعل تلك التي يسمح له بفعلها" بمعنى آخر أن الحرية السياسية تخضع لتوزيع ما للسلطات بين القوى الملموسة الموجودة.
ولا يقصد مونتسيكيو الفصل التام بين السلطات ولكنه قصد التمايز بينها في الوظائف ومراقبة كل منها للأخرى وتوازنها بحيث لا تطغى أحدها على الأخريات، مع الأخذ بعين الاعتبار دائما علو شأن السلطة التشريعية على غيرها.
كما ما يجب على السلطات الثلاث أن لا تجتمع في شخص واحد أو هيئة واحدة وإلا لن تكون هناك حرية لأنه يخشى أن يضع الملك أو مجلس الشيوخ قوانين جائرة لينفذها تنفيذا جائرا كما يجب تحديدا فصل سلطة القضاء عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، ويقول مونتسيكيو " وكل شيء يضيع إذا مارس الرجل نفسه أو هيئة الأعيان أو الأشراف أو الشعب نفسه هذه السلطات الثلاث: سلطة وضع القوانين وسلطة تنفيذ الأوامر العامة وسلطة القضاء في الجرائم وفي خصومات الأفراد".
أما من يتكلف بكل من هذه السلطات الثلاث؟ فقد وضح مونتسيكيو الأمر بالتفصيل؛
1. السلطة التشريعية: يجب أن تبقى في يد الشعب ضمانا للحرية، ولكن وحيث أن دولا كبرى عدديا لا يمكن للشعب ن يشرع مباشرة يصبح واجبا تفويض الأمر إلى هيئة تمثل الشعب وتشرع تحت رقابته وهؤلاء الممثلون ينتخبون لتمثيل دوائر معينة، لأن سكان كل منطقة أقدر على التعرف على الأشخاص الأكفاء في المنطقة ولكن وحيث أن الشعب فيه العامة وفيه النبلاء فيجب أن يكون مجلسان تشريعيان، واحد يمثل الشعب أو العامة، والآخر يمثل النبلاء.
2. السلطة التنفيذية: تستند إلى شخص الملك باعتبار أن الفرد الواحد يكون أكثر قدرة على التصرف من عدة أفراد، ولكن الملك الذي يمسك بيده السلطة التنفيذية يكون مرتبطا بالسلطة التشريعية وتحت رقابتها فإذا كان الدستور يعطيه حق الاعتراض ويحفظ له حرمة شخصيته، فإنه في نفس الوقت يمنح للسلطة التشريعية حق مقاومة الملك – السلطة التنفيذية- من خلال عقد دورات إجبارية لمجلس السلطة التشريعية والتصويت على الميزانية ومراقبة تنفيذ القوانين وتوجيه اتهام للوزراء إذا لزم الأمر.
3. السلطة القضائية: هي سلطة القضاء في الجرائم وفي خصومات الأفراد، وخلافا للوك، فإن مونتسكيو جعل من السلطة القضائية سلطة متميزة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية فهو يعتبر أنه ليس ثمة حرية حين لا يكون لسلطات القضاء مفعولا عن التشريع وعن التنفيذ ويقول: " إذا كان منضما إلى السلطان التشريعي تكون السلطة على حياة وحرية المواطنين تعسفية، إذ يكون القاضي مشرعا وإذا كان مُنضما إلى السلطات التنفيذية يمكن أن يكون للقاضي قوة المضطهد".
وهكذا استطاع مونتسكيو أن يزعزع بأفكاره السياسية مسلمات الفكر السياسي الاستبدادي واللاهوتي الذي جسده حكم لويس الرابع عشر واستطاع أن يؤجج الثورة الفكرية التي بدأت فرنسا تعرفها منذ منتصف القرن الثامن عشر، وكان إطلاعه على الدستور الإنجليزي وإقامته في إنجلترا لسنوات خير معين له على التوصل إلى ما يراه النظام السياسي الأمثل الذي يفيد فرنسا لإصلاح حالها كما صلح حال إنجلترا، وهو نظام الملكية المعتدلة: ملكية دستورية تحترم الحريات السياسية للأفراد وتفصل بين السلطات بعضها البعض.
الخاتمة:
كل بحث في التاريخ له بداية ونهاية إلا أن التاريخ في حد ذاته له بداية ولا نهاية له، فتاريخ الشعوب وتاريخ فكرها السياسي لا ينتهي إلا بنهاية أو انقراض المجتمعات البشرية وحتى في هذه الحالة فإن استعمال مصطلح نهاية التاريخ غير دقيقة لأنه ببساطة لن يكون هناك مؤرخا ليكتب عن هذه النهاية.
لقد شكلت إسهامات لوك ومونتسكيو وقبلهما مكيافيلي ولوثر وكالفن وبودان وهوبس وغيرهم نواة التغيير الذي عرفته أوروبا، أوربا وبعدما كانت تعيش في الظلمات لمدة 10 قرون لا تعرف السعادة ولا تعمل إلى لشراء خطاياها، استطاعت أن تضع خلاصا لرجعيتها فبلورت لنفسها منظومة فكرية سياسية جعلتها تؤسس وتطور أنظمتها ومؤسساتها السياسية، هذا في حين لم يستطع العالم العربي والإسلامي أن يبلور لنفسه منظومة فكرية سياسية خاصة به، أو أن يشارك الآخرين في منظوماتهم الفكرية ليتخبط بذاك في تعامله مع الفكر السياسي وأصبحت الساحة السياسية لدولنا حقل تجارب، دون الثبات على مرجعية خاصة بها فالبعض يقول بالاشتراكية وآخرون باللبرالية، البعض بالإسلام والبعض بالعلمانية، البعض بالقومية وآخرون بالقطرية، البعض يستنجد بالماضي والتراث والبعض يستشرف آفاق المستقبل وهو يدوس بقدميه الماضي والتراث. في حين أن التفتح العقلي ضروري لفهم الفكر الإنساني السياسي مع العلم أن تاريخ الفكر السياسي هو جزء من التاريخ العام للإنسانية.