فرع العلوم السياسية و العلاقات الدولية يظم دروس ، امتحانات... لفرع العلوم السياسية و العلاقات الدولية


إضافة رد
قديم 10-08-2009, 10:31 AM
  #1
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
Impp دروس في العمل السياسي الإسلامي


مقدمة:
لقد تعددت وتنوعت واتسعت تجارب العمل الإسلامي في الحقل السياسي وتجاوزت بفضل الله كثيرا من الموانع التي كانت تحاول أن تحصر عمل الإسلاميين في مجالات محدودة وزوايا ضيقة من حياة الناس.
ومن خلال هذه التجارب تأكدت مفاهيم وترّسخت حقائق وتطورت آليات وتغيرت ذهنيّات وتداخلت فيما بينها دوائر الثابت والمتغير واحتاجت بعض الأفكار إلى تصحيح وتصويب.

ومن هنا تولدت لدينا الرغبة في ضرورة الكتابة حول العمل السياسي الإسلامي ولذلك سنخصص مجموعة مقالات تنشر متسلسلة في شكل دروس تتولى مهمة تعميق الفهم وتصحيح المفاهيم وتطوير الآليات والربط بين النص والواقع في مجال كثير التغير، دائم الحركة، واسع الاختلاف، مغري بالولوج وقليل الكتابة.

تعريف العمل السياسي الإسلامي:

السياسة لغة هي التدبير للشيء والقيام عليه بما يصلحه ولا يختلف المعنى المتداول في تراثنا السياسي عن هذا، على خلاف المفهوم الغربي للسياسة الذي يربطها بالقوة والسلطة والدولة.

واعتبر الأستاذ فتحي يكن "أن السياسة تعني في مفهومنا الإسلامي رعاية شؤون الأمة.. وبهذا يكون للسياسة مفهوم رعائي يشمل كل نواحي الحياة، ويتصل بكل جانب من جوانبها المختلفة".(1)
والسياسة الإسلامية هي التي تجعل مقياس المصلحة في تدبير شؤون النّاس هو الإسلام، فبالتالي تكون السياسة إسلامية إذا حققت مصلحة الناس ولم تخالف الشرع كما جاء في تعريف بن عقيل في الفنون:"السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يصنعه الرسول ولا نزل به وحي".(2)

وعلى ضوء ذلك فالسياسة على مستوى الدولة هي اسم للأحكام والتصرفات والتدابير والقرارات التي تدبر بها شؤون الأمة في حكومتها وتشريعها وقضائها وفي جميع أعمالها التنفيذية والإدارية والمعيشية وفي علاقاتها الخارجية التي تربطها بالدول والأمم الأخرى.

ولكن "السياسة في المفهوم الشرعي ليست حبلا للوصول إلى السلطة أو استخدامها بخطرات القلوب أو تشهيّات النفوس، بل هي في شريعة الإسلام تدبير الأنفس والجماعات والمجتمعات بما يصلحها، وتربيتها على أخلاق الإيمان ودرء المفاسد عنها وتحصيل المصالح إليها، والاجتهاد فيها يصلح دنياها ويصلحها في عاقبة أمرها في الآخرة".(3)

والعمل السياسي الإسلامي هو العمل الذي ينطلق من الإسلام، جامعا المسلمين حول برنامج سياسي في إطار تنظيمي مستهدفا الوصول إلى السلطة بالطرق السلمية الممكنة لتطبيق تعاليم الإسلام والقيام على مصالح الناس ورعايتها.

ومن هنا يتضح أن للعمل السياسي الإسلامي أهداف وغايات يعمل على تحقيقها ووظائف وأنشطة يؤديها ووسائل يتوسل بها للقيام بالوظائف لتحقيق الغايات.

وإسلامية العمل السياسي تشمل الغايات والوظائف والوسائل (إسلامية الغايات وإسلامية الوظائف وإسلامية الوسائل)، وتسقط هنا المقولة الميكيافيلية التي تقول: "الغاية تبرر الوسيلة" المتبعة كثيرا عند الآخرين من غير الإسلاميين.

الدرس الأول: تحرير القصد لله
يختلف العمل السياسي الإسلامي عن غيره من ألوان العمل السياسي الأخرى بكونه عمل يقصد به القائم عليه والعامل به والمنخرط فيه وجه الله عز وجل ومرضاته، وهي الغاية العليا التي يدور حولها العمل الإسلامي، وهي ذات الغاية من خلق الإنسان.(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)الذاريات56.
ومن تمام العبودية لله أن يتوافق قصد المخلوق مع قصد الخالق وكما يقول الإمام الشاطبي "المقصد الشرعي من وضع الشرعية إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبد لله اختيارا كلما هو عبد لله اضطرارا".(4)
وأبلغ منه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت«.(5)
إنه الدرس الأول والأساسي الذي يجب أن نتعلمه في مدرسة العمل السياسي الإسلامي.

أهمية القصد:
القصد هو النية والاعتزام والتوجه والإرادة، وذكر الإمام الغزالي أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد.(6)
وهو انبعاث القلب نحو العمل الموافق لغرض صحيح لابتغاء رضا الله وامتثال أمره.
والقصد استقامة واعتدال ووسطية(وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)النحل9، "القصد القصد تبلغوا".
فالقصد هو النية قبل العمل والفكر قبل الفعل والتصور قبل التنفيذ والقدر قبل القدرة والإرادة قبل الإدارة والغاية قبل الوسيلة والعزيمة قبل التوكل وهو الرؤية قبل السير والتسبب قبل السبيل.

وقد قال زبيد اليامي: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء.(7)
ويقول ابن القيم:«فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق وبعدهما يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة».(8)

إن القصد في العمل الإسلامي هو إخلاص العمل لله وتصحيح النيات مما يشوبها، فالانتماء إلى حزب سياسي والعمل معه يجب أن يكون خالصا لا مطمع دنيوي من ورائه وكل ما يقوم به الفرد من أدوار وأعمال وأنشطة وكل ما يناله من ترشح أو اعتلاء منصب أو تولي مسؤولية وكل ما يجريه من اتصالات وعلاقات وسعي في خدمة الناس يجب أن يكون مرتبطا بالغاية العليا وهي إرضاء الله تعالى وذلك من تمام العبودية (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام162-163.

وكل ما يقوم به الحزب الإسلامي من أعمال ومناشط وما يصدره من قرارات وسياسات، وما يعلنه من مواقف وبرامج وما يعقده من ائتلافات وتحالفات وما يجريه من تعيينات وتكليفات، وما يؤديه من خدمات وانتخابات يجب أن يكون خالصا لله، فيلتقي قصد الفرد مع قصد الحزب في سبيل الله.

وعندما تصح النية ويتحرر القصد تتساوى الأعمال وتزول المفاضلة بينها ما دامت كلها لله وهو المجاز عليها.
ومن هنا تتأكد أكثر أهمية النية في العمل، فالسلف الصالح كانوا كثيري الاهتمام بالنية، فهذا سفيان الثوري كان يقول:«ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي».(9)

وقال يوسف بن أسبط: «تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد».(10)
وقال بن المبارك: «رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية».(11)
وقال يحي بن أبي كثير: «تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل».(12)
وقال الثوري: «كانوا يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العمل».(13)

أصناف العاملين:
يفترض في القائم بالعمل السياسي الإسلامي أن يبغي إرضاء الله عز وجل، ولكن مع ذلك هناك حظوظ تزاحم هذا القصد وتشوبه أحيانا من حب السمعة والشهرة، وحب الرياسة والمنصب وحب المال والجاه، ومنها حظ الأهل والأقارب، ومنها حظ الوطن والقوم وأحيانا حظوظ أخرى مهنية وحزبية وشخصية.. وكلها من حظوظ الدنيا التي تكون على حساب إخلاص العمل لله.
فالناس في هذا الموضوع ثلاث أصناف:
1- رجل يقصد من وراء العمل السياسي اتباع هواه وإرضاء نفسه وتحقيق مصلحته الشخصية والحصول على مكاسب دنيوية.. وهو في سبيل ذلك يسمح لنفسه باستخدام أية وسيلة حتى لو كانت غير أخلاقية ويتنازل عن المبادئ من أجل المصالح الخاصة ويخضع لأي جهة أو سلطة أو شخص يحقق له ما يريد.. وهذا الصنف هو الذي يسمى في أيامنا هذه بالسياسي البارع الناجح.
"إن السياسة الناجحة في نظر هؤلاء هي التي تمارس بشطارة أي بدون مبادئ، ومفهومنا أن "الشّطارة" يمكن أن تمارس باستقامة وذكاء ودهاء إذ لا يعني التزامها بالمبادئ أن تمارس بغباء، كما يظن بعض هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم شطارا وأذكياء وهم في الحقيقة منحرفون أغبياء".(14)
2- ورجل قصده إعلاء كلمة الله وإحقاق الحق وخدمة الناس وتقديم العون لهم ورعاية مصالحهم باذلا في سبيل ذلك جهده وماله ووقته وقد يضحي بمصالحه الخاصة وقد يتعرض للأذى فيصبر ويحتسب ولا ينتظر من الناس جزاء ولا شكورا لأنه يدّخر الأجر عند الله.
وهذا الصنف هو نموذج السياسي الإسلامي الذي تفتقده الأمة وتعمل الحركة الإسلامية على إخراجه للنّاس.
3- ورجل خلط بين هذا وذاك فهو إن كان قصده لله وخدمة دعوته فإنه في خضم الأعمال ومجرياتها وتحت تأثير ضغوطات مطالب النفس والأهل والأقارب والأصدقاء واستسلاما لإغراءات المناصب والمكاسب تختلط عنده النيّات وتتعدد وأحيانا ينسى القصد الأول من عمله فيلبس عليه إبليس ويزين له عمله فتنازعه الحظوظ والأهواء، فينتصر أحيانا وينهزم أخرى، وهذا الصنف هو الشائع.
ومن هنا وجب الاهتمام في العمل السياسي الإسلامي بالقصد قبل العمل تأسيسا وإخلاصا وأثناء العمل مراقبة وتخليصا.

الأجر تابع للقصد:
يكون الأجر على القصد مصداقا لقوله تعالى:(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) النساء114.
(مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ)الشورى20.
يقول العز بن عبد السلام:«لا يثاب على الطاعات إلا بنيتين: نية إيجاد الفعل ونية التقرب به إلى الله عز وجل».(15)
ففي العمل السياسي القصد هو مدار الأجر أما في العبادات فالقصد (النية) هو مدار الصحة والأجر معا فلا عبادة صحيحة إلا بنية ولا أجر إلا بنية أما العمل السياسي فصحته لا تتوقف على النية إنما الأجر عليه متوقف على النية.
والمؤمن حريص على أن يقبل عمله ولا يخسر جهده ولا تضيع تضحياتهقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًالكهف:103-104.
وقد ينال المؤمن أجرا على عمل لم يستطع أن يقوم به بمجرد أنه قصده كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد مع بعض الصحابة من غزوة تبوك «إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة" فقيل كيف ذلك يا رسول الله: فقال:«حبسهم العذر فشركوا بحسن النية».(16)
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلّم: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال «إنّه كان حريصا على قتل صاحبه».(17)
والمؤمن إذا صحت نيته كانت كل أعماله حتى العادية منها مأجورة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فِيّ (فم) امرأتك».(18)
وإذا فعل ما أبيح له قاصدا العدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه فإنه يثاب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام:«وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون لنا فيها أجر. قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».(19)
والمؤمن المنخرط في العمل السياسي يجب أن يخاف على ضياع أجره على عمل فيه شوائب من حظوظ النفس إذ يروى أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر (أي إرضاء الله وأن يذكره الناس)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغى به وجهه».(20)
وقد روى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "لا أجر له" فأعظم ذلك النّاس، وقالوا للرجل: عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلك لم تفهمه. فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال: "لا أجر له" فقالوا للرجل: عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة، فقال له: "لا أجر له"(21).
فدل الحديث على أن لا أجر لمن قام بعمل ظاهره لله وهو يبغي به عرضا من الدنيا.
وفي حديث آخر قال رجل: يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً الكهف110.(22)
وجاء في الحديث «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه»(23).
وصحيح أن في العمل السياسي قد ينال صاحبه مكاسب دنيوية فإن كان قصده لله خالصا فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد جاء في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، فيحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».(24).
وبهذا المعنى قال عبد الله بن عمرو: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك.(25)

وجاء في حديث النّبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، لهم عذاب أليم، -وذكر منهم-.. ورجل بايع إمام لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يوف»(26).
وقال الشيخ القرضاوي في هذا المعنى: «إن الإسلام لا يرضى للمسلم أن يعيش بوجهين: وجه لله، ووجه لشركائه، ولا أن تنقسم حياته إلى شطرين: شطر لله وشطر للطاغوت. الإسلام يرفض هذه الثنائية المقيتة والازدواجية البغيضة التي نشهدها في حياة المسلمين اليوم»(27).

الأمور بمقاصدها:
هذه قاعدة فقهية كلية جليلة استخلصها العلماء من الحديث المعروف بحديث مهاجر أم قيس الذي قال عنه الشافعي أنه ثلث العلم، وذكر أبي عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع أمر الدنيا كله في كلمة واحدة: "إنما الأعمال بالنيات".(28).
ونص الحديث هو: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".(29)
وقال ابن مسعود: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر معها، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس،.. من هاجر لشيء فهو له.
وقال ابن القيم: "والنبي صلى الله عليه وسلم قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: "إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى".
فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال".(30)
إن هذا الحديث يؤكد على أهمية القصد في العمل السياسي وإن كانت كل الأعمال تحتاج إلى قصد ولكن الأعمال السياسية تختلط فيها النيات وتتعدد وتتجاذب صاحبها.
والحديث يتحدث على مثال الهجرة من مكة إلى المدينة وهي من صميم وجوهر العمل السياسي، فالهجرة هي تمرد على سلطان قريش والخروج عليه كفرا به والتحاقا بدولة الإسلام والالتزام بأحكامها، طاعة لله ورسوله ونصرة لدينه، أما إذا كانت هذه الهجرة بمشقتها وخطورتها لقصد آخر دنيوي يريد المهاجر أن يحققه ويناله فإنه ليس له من هجرته إلا التعب والنصب وما هاجر إليه، لا أجر له عند الله.
ويمكن إسقاط هذا الحادث على عملنا السياسي، فنقول: من كان انتماؤه للحركة واشتراكه المالي وقيامه بالأعمال والأنشطة وتضحياته وترشحه للانتخابات وتحمله للمسؤوليات، فمن كان كل ذلك لله فأجره عند الله عظيم وسمعته عند الناس محمودة أما من كان كل ذلك لمصلحته الشخصية وغرض دنيوي فليس له من الأجر شيء ولن يعينه الله على ذلك.
لقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى يقول :"من خلصت نيته لله، كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس".
وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها بغير سؤال أعنت عليها، وإن سألتها وكّلت إليها".
والحركات الإسلامية تنتصر بالمخلصين لا بالمتسلقين: "إنّما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" (31).
ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر مع الضعفاء المخلصين وعدم التفريط فيهم (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)الكهف28.
وخلاصة الدرس الأول أن يكون المقصد الأعلى للعامل في العمل السياسي هو إرضاء الله عز وجل وإخلاص العبودية له وأن يحرر هذا المقصد من كل ما يشوبه أثناء العمل من حظوظ دنيوية تجعل لله شركاء في القصد لتستقيم النية وتصح العبادة وينال الأجر، ويفتش العامل في قلبه محل القصد من حين إلى آخر حتى لا تغيب عنه الغاية العليا ويخلص عمله لله.

-----------------
(1) أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان- فتحي يكن ص19.
(2) نقلا عن الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية ص41.
(3) أصول السياسات للدكتور أمين حسن عمر ص29.
(4) أورده الدكتور طه جابر العلواني في بحثه مقاصد الشريعة.
(5) صححه النووي في الأربعين.
(6) إحياء علوم الدين 4/365 للإمام الغزالي.
(7) جامع العلوم والحكم لابن رجب البغدادي ص19.
(8) إعلام الموقعين 4/255.
(9)، (10)، (11)، (12)، (13): جامع العلوم والحكم، ص19-20.
(14) فتحي يكن، مصـدر سابق ص21.
(15) قواعد الأحكام في مصالح الآنام ص 1/149.
(16)، (17)، (18): رواه البخاراي.
(19) رواه مسلم.
(20) رواه النسائي.
(21) أخرجه أبو داود وأحمد.
(22) أخرجه الحاكم.
(23)، (24): رواه مسلم.
(25) جامع العلوم والحكم ص26.
(26) متفق عليه.
(27) كتاب في الطريق إلى الله (2) الإخلاص والنية ص15
(28) جامع العلوم والحكم ص15.
(29) متفق عليه ورواه غيرهما.
(30) إعلام الموقعين ص3/145.
(31) رواه النسائي.



التعديل الأخير تم بواسطة kharroubi00 ; 10-08-2009 الساعة 10:38 AM
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 10:33 AM
  #2
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
Impp دروس في العمل السياسي الإسلامي(2)

الدرس الثاني: تحرّي مقاصد الإسلام
الدرس الأول الذي تعلمناه في العمل السياسي الإسلامي هو "تحرير القصد لله" ولا يكتمل هذا الدرس إلا بالدرس الثاني المتمحور حول: "تحري مقاصد الإسلام".
فكل ما يقوم به العامل في العمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون محررا لله من كل حظوظ الدنيا، وما يحصل عليه منها يربط بالقصد الأعلى ألا وهو إخلاص العبادة لله.


كما أن كل ما يقوم به من أعمال يجب أن تهدف إلى تحقيق مقاصد الإسلام التي هي مصالح كلها، فإما تجلب مصلحة أو تدرأ مفسدة.
وهنا يتوافق في العمل السياسي الإسلامي القصد مع المقصد.

مفهوم المقاصد:
في الإسلام كل شيء له مقصد فلا عبث ولا لعب في شيءوَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَالأنبياء16، ولله في خلقه للإنس والجنّ مقصد:وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالذاريات56.
ومن وراء إرسال محمد صلى الله لعيه وسلم مقصد عظيموَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَالأنبياء107.
وأمرنا بالصلاة والصيام والزكاة والحج لمقاصد معينةاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَالعنكبوت45.
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَالبقرة:183.
وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍالحج27.
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌالتوبة103.
وهكذا هي كل الأحكام في الإسلام معللة ولها مقاصد قد تكون ظاهرة وقد تخفى عن البعض، وخفاؤها لا يعني عدم وجودهاوَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍالحج78، ووجود الأمة الإسلامية هو ذاته لمقصد حضاري كبير، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداًالبقرة143.
والمقاصد وفقا للتعريف الذي اختاره الدكتور نور الدين الخادمي: "هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني أحكام جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد وهو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين"(01)، أما الدكتور أحمد الريسوني فقد بسط التعريف وحدّد المقاصد "في الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد"(02).
يتضح بشكل جليّ أن مضمون المقاصد هو تحقيق المصالح في العاجل والآجال: مصالح عامة ومصالح خاصة، مصالح كلية ومصالح جزئية، مصالح إجمالية ومصالح تفصيلية.
ولقد أوجز بن تيمية كل تلك المعاني في عبارة جامعة: "إن مدار الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها"(03).
المقصد الأعلى للإسلام:
تلتقي جميع مقاصد الإسلام في مقصد أعلى تتفرع عنه في شكل شبكي. ولقد كشف الطاهر بن عاشور عنوان هذا المقصد الأعلى: "هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه"(04).
وهذا الصلاح هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بعبارة عمارة الأرض: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ هود61.
وهذه العمارة أو العمران قائمة على ما يصلح للإنسان ليقوم بمقتضيات الاستخلاف في الأرض.

المقاصد الكلية:
أجمع كل من اهتم بالمقصد على أنها هي خمس كليات تدور حولها كل الأحكام على المستوى الضروري والمستوى الحاجي والمستوى التحسيني والسبق في ذلك يرجع إلى إمام الحرمين الجويني في كتابه البرهان، وفضل التطوير يرجع إلى تلميذه الإمام الغزالي في كتابه شفاء الغليل وكتابه المستصفى، وتبعه الإمام الشاطبي فبنى علم المقاصد في كتابه الموافقات.
وهذه الكليات الخمس هي بمثابة مفاهيم دستورية تتفرع عنها الأحكام والقوانين التفصيلية والجزئية.
ويغلب على الفقهاء استعمال عبارة حفظ الكليات الخمس (الدين، النفس، النسل، العقل، المال) فيوردون أمثلة لا تعبر إلا على الجانب العدمي فيها، فمثلا يقولون: حفظ الدين بإقامة الحد على المرتد، وحفظ العقل بتحريم الخمر، وحفظ المال بإقامة حد السرقة، وحفظ النفس بالقصاص، وحفظ النسل بتحريم الزنا، كما أنهم حصروها غالبا فيما يتعلق بالفرد مغفلين ما يتعلق بالجماعة والمجتمع والدولة.
وهي أمثلة لا تعبر عن حقيقة هذه الكليات الخمس وشموليتها وكونها أساس كل بنيان تشريعي يدير حياة الناس بما يخدم مصالحهم ويفي بحاجاتهم الفردية والجماعية.
وبهذه الرؤية المقاصدية نجد في هذه الكليات الخمس معاني الإنشاء والتنمية والحفظ فنقول مثلا:
1- مقصد الدين: بإقامته ونشره والدعوة إليه وتعليمه والاجتهاد فيه وتجديد أمره فضلا عن حفظه بتحريم المعاصي ومحاربة البدع.
2- مقصد النفس: بتكريم الإنسان وتسخير الكون له وتحديد حقوقه وتمكينه منها وحمايتها وحفظ حياته بتحريم الاعتداء على النفس والأعضاء.
3- مقصد النسل: بإيجاده بالزواج وتنظيمه ببناء الأسرة وترسيخ قيم التكافل الأسري والعلاقات الاجتماعية وبحفظ العرض من القذف وحماية كيان الأسرة الصغيرة والكبيرة من التفكك والزوال.
4- مقصد العقل: باعتماده أساس للإنسانية، ومناط التكليف والمسؤولية، وسبب الحضارة ومحركها، وتنمية العقل بالعلم والقراءة والتغذية الجيدة وتشجيع الإبداع والابتكار وحفظه من الضلالات والانحرافات الفكرية وصيانته من كل مسكر ومغيب للعقل.
5- مقصد المال: بحرية كسب المال وتنميته واستثماره وصرفه وحمايته من السرقة والنهب والغش والتزوير لأنه قوام الحياة: حياة الفرد والمجتمع والدولة.

أهمية المقاصد في العمل السياسي:
إن العمل السياسي الإسلامي هو في حقيقته مقاصدي بطبعه، أي له مقاصد هي أصل مشروعيته ومدار حركته ينضبط بها ويعمل على تحقيقها.
وعندما يغيب البعد المقاصدي عن العمل السياسي تختلط الأهداف بالوسائل وتعم الفوضى التخطيطية وتسود حركة ردود الأفعال وتنسد الآفاق الاستراتيجية وتضيع الإمكانيات المتاحة وتهدر الطاقات الفاعلة ويتلاشى خط السير، وعندئذ يفقد العمل السياسي الإسلامي مشروعيته ويصبح حال العاملين شبيها بحال من قال الله فيهمُقلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًالكهف103-104.
إن ضبط العمل السياسي الإسلامي بالمقاصد وتقصيد حركته وسياساته وخطابه يكسبه وضوح رؤية وصواب رأي، واستقامة مسيرة وسلامة سير، ويوصله بالجدوى والفائدة، ويزوده بالفعالية والإيجابية ويربط الوسائل بالأهداف، والأعمال بالمآلات، والأسباب بالنتائج، ويشحذ الهمم والطاقات ويحرك في العاملين الإبداع والابتكار ويحرر المبادرات والكفاءات.
إن العمل السياسي الإسلامي اليوم في حاجة إلى:
1- إعادة صياغة المقاصد صياغة سياسية ويمكن اقتراح الصياغة التالية:
- السياسة الدينية والدعوية: تقابل مقصد الدين.
- السياسة التعليمية والمعرفية: تقابل مقصد العقل.
- السياسة الاجتماعية والأخلاقية: تقابل مقصد النسل.
- السياسة الدستورية والأمنية: تقابل مقصد النفس.
- السياسة الاقتصادية والمالية: تقابل مقصد المال.
وتتولى هذه الصياغة رسم سياسات وبرامج وخطط الحركات السياسية والحكومات التنفيذية وتصدر من خلالها القوانين والتشريعات العملية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.
2- تحديد بالقراءة والاستقراء مقاصد العمل السياسي الإسلامي بوضوح وترتيب أولوياتها بدقة وتفريعها من السياسات العامة الخمس، وإنزالها على واقع الحياة.
3- ربط سياساته وبرامجه وأهدافه ومواقفه وخطابه بهذه المقاصد بطريقة تستحضرها باستمرار.
4- تنمية الفكر المقاصدي لدى القائمين على العمل السياسي وترسيخ السلوك المقاصدي لدى العاملين لتقصيد الحركة السياسية.
5- تقييم العمل السياسي الإسلامي بمعايير المقاصد وبميزان المصلحة العامة التي هي مضمون المقاصد.

مقاصد العمل السياسي الإسلامي:
مقاصد العمل السياسي الإسلامي هي ذاتها مقاصد الإسلام التي جاءت لتحقيق مصالح الناس دينيا ودنيويا ومواكبة تطور حياتهم، "فالتشريع السياسي الإسلامي إذن كفيل بالوفاء بحاجات الناس ومطالبهم في كل عصر وبيئة، على ضوء من روح التشريع وقواعده وغاياته.. أساسه هذه المصالح وهي مقاصده وغاياته المطلوب تحقيقها عملا، فكانت لذلك أساس المشروعية في التدبير السياسي ابتداء وبقاء" (05).
وعلى هذا الأساس يمكن استخراج أهم مقاصد العمل السياسي الإسلامي:

1- التوحيد:
يقصد العمل السياسي الإسلامي بداية إلى تحرير الناس من عبودية البشر والخضوع لغير الله إلى عبادة الله الواحد والخضوع لسلطانه واتباع أوامره ونواهيه وهذا هو جوهر السياسة في الإسلام.
وكل صلاح للبشرية مبني على أساس التوحيد: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَاالأنبياء22، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَالزمر29. وهذا مدلول شهادة أن "لا إله إلا الله"، وقد حرص القرآن المكي طيلة 13 سنة بناء عقيدة التوحيد بكل أبعادها الدينية والسياسية.
وتمثّل هذا المقصد بوضوح في كلمة ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم: "جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد".
2-الوحدة:
قصد الإسلام تحقيق الوحدة بين أتباعه وترك لهم إقرار أشكالها، وربط بين الوحدة والتوحيد:إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِالأنبياء92.
والعمل السياسي الإسلامي يجب أن يقصد في مواقفه وسياساته التوجه نحو الوحدة على مستوى الشّعب الواحد والإقليم الواحد والأمة الواحدة.
ومن هنا يجد العمل السيّاسي ميزانا يحدّد به موقفه من بعض المشاكل الإقليمية ومن توالد الدويلات في جسم الأمة.
3- إقامة الدولة الإسلامية:
إن إقامة الدولة الإسلامية مقصد من مقاصد العمل السياسي الإسلامي وضرورة من ضرورات الإسلام، لأن "الغرض من إنزال الشريعة هو تحقيق مقاصدها في الخلق ولا يتم ذلك إلا بتنفيذها، وتنفيذها لا يمكن أن يتم إلا بالدولة فكانت إقامتها واجبة لوجوب ذلك بداهة" (06).
كما أن جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم وبناء نظام حياة الناس، يستلزم وجود سلطة راعية ورادعة وحارسة ومنظمة.
وقديما عبر علماؤنا عن ذلك بمعاني متعددة، فالإمام الجويني يقول: "ولا يرتاب من معه مسكة من عقل أن الذب عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيضة محتم شرعا، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع ولا يزعهم وازع ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء وتفرق الأهواء لانتثر النظام، وتوثبت الطغام والعوام وتحزّبت الآراء المتناقضة وملك الأرذلون سراة الناس، وفضت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، وفشت الخصومات، وتبددت الجماعات، وما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن"(07) أما الإمام الغزالي فيرى أن: "الدين والملك توأمان، والدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع"(08)، والإمام الجرجاني يرى بأنّ :"نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين."(09)، والعلامة بن خلدون يرى بأن هذه الدولة مقصودها: "حفظ الدين وسياسة الدنيا به"(10).
وهناك أقوال كثيرة في الموضوع لا تتّسع الصفحات لسردها ونكتفي بإضافة كلام الإمام الشهيد حسن البنّا، الذي كان يؤكد دائما بأن "الإسلام دين الدولة." إن العمل السياسي الإسلامي يجب أن يضع على رأس مقاصد العملية إقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام وترعى مصالح الناس.
4- التنظيم المؤسسي:
المسلمون أمة لها كيان سياسي يتجسّد في أشكال مؤسسية تبدعها عقول المجتهدين المستفيدين من تطورات العصر ونتاج الحضارات، ويهدف الإسلام إلى تنظيم حياة المسلمين على المستوى المركزي وعلى مستوى الأقاليم والولايات وعلى مستوى التخصصات والمناشط.
وكل من يعمل لإقامة الدولة الإسلامية يصبح واجبا عليه تأسيس تنظيم يقوم بهذا الواجب يجمع الطاقات وينسق أدوراها ويوجه عملها نحو تحقيق الهدف.
وقد يكون هذا التنظيم عندما تسمح الظروف هو الحزب السياسي الذي يرفع لواء عودة استئناف الحياة الإسلامية، واعتماد التنظيم الجماعي لحياة المسلمين من الصلاة إلى الخلافة.
والتنظيم المؤسسي يستوجب وجود دساتير وقوانين ولوائح ونظم تنظم العمل وتحدد الاختصاصات وتوزع الصلاحيات وتقرر الحقوق والواجبات.
5- إقامة الدين ونشر الدعوة:
فالعمل السياسي الإسلامي هو عمل دعوي وقد أمرنا بإقامة الدين ونشره ليستمر قائما: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ الشورى13.
كما أن من مقاصد التمكين السياسي إقامة الدين الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ الحج41.
6- الإصلاح:
الإصلاح مقصد كل نبي أرسل وكل دعوة اقتفت أثرهم:إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُهود88، اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ الأعراف142.
والعمل السياسي يقوم أساسا على السعي لتحقيق المصلحة العامة. وتقول القاعدة الأصولية: "كل متصرف على الغير منوط بتحقيق المصلحة".
فمن هنا يتوجه العمل السياسي الإسلامي إلى إصلاح الأوضاع ومحاربة الفساد مناقضا بذلك النّهج الإفسادي في السياسةوَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ البقرة205.
7- تشييد العمران:
مقصد العمل الإسلامي هو إقامة العمران وعمارة الأرضهُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ(29) هود61.
ويكون العمران بإقامة وتنفيذ سياسات البناء والتنمية والعمل والكسب، وتنظيم شؤون الاقتصاد والتجارة والصناعة وتوفير حاجات الناس التي تسعد حياتهم وتيسر أمورهم.

08 - تطبيق العدل:
العدل مع الآخرين مقصد من مقاصد العمل السياسي الإسلامي وقد أمر الرسول  وهو في مكة قبل إقامة الدولة الإسلامية بالعدل: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ الشورى15.
وهو أساس كل ولاية على الغير وأساس كل حكم بين الناس: إِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِالنساء58. والعدل يكون في القول والفعل وقي سن التشريعات والقوانين وفي إصدار القرارات والخطط وفي إقرار السياسات والبرامج وفي توزيع الميزانيات والثروات وفي توليّة المسؤولين وتوظيف النّاس وما إلى ذلك من مجالات التطبيق، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِالنساء135.
ومن العدل رفع الظلم عن النّاس الوقوف إلى جانب المستضعفين في الأرض والانتصار لقضاياهم العادلة سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو شعوبا.
فكل أمر فيه عدل ينحاز إليه العمل السياسي الإسلامي وكل أمر فيه ظلم أو فساد أو بغي يثور ضده ويغيره دون أن يؤول إلى منكر أكبر منه.

09- احترام حقوق الإنسان:
نجملها هنا ونستعملها وفق لمدلولاتها العصرية، وفي الحقيقة كل حق منها هو من مقاصد الإسلام، ويدور العمل السياسي الإسلامي حول المصالح الحقوقية إنشاء وإعلانا ودفاعا وتطبيقا ويجعل منها برنامج عمله ومحور نضاله ويدخل ضمن حقوق الإنسان حقوق المواطنة.
ولا يمكن أن يقبل من حركة إسلامية أن تهدر دماء الأبرياء أو تلغي حقّا آخر من حقوق الناس بأي حجة كانت.

10- الحريات العامة:
يدخل ضمنها حرية المعتقد والتدين وحرية التفكير والتعبير وحرية التعليم والبحث العلمي وحرية العمل والتملك وحرّية التّجارة والصّناعة وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات وحرية الانتخاب والترشح، وحرية التظاهر والمعارضة، وما إلى ذلك من حريات فردية وجماعية. ويقوم العمل السياسي على الدعوة إليها والمطالبة بها وتطبيقها في الحيّز الذي يتولى مسؤوليته.
ومن الحريات التي يرفع لواءها العمل السياسي: تحرير الشعوب والأوطان من الاحتلال والاستغلال.
11- المساواة:
من مقاصد العمل السياسي الإسلامي تطبيق مبدأ المساواة بين الناس والمساواة بين الرجل والمرأة فالنّاس سواسية ولن ينصفهم إلا الإسلام الذي يرجع المساواة إلى أصل عقيدي: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدام وآدم من تراب، إن أكركم عند الله أتقاكم ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتّقوى.."(11)
ومن هنا يراعي العمل السيّاسي الإسلامي المساواة بين أبناء الشّعب إذا تعددت قومياته في الحقوق والوظائف والفرص وظلم الأكثرية للأقلية مشاهد وهو من المنكر الذي يجب أن تنهى عنه الدعوة".(12)
والمساواة بين الرجل والمرأة عنوان كبير يجب أن يرفعه العمل السياسي الإسلامي المعاصر ويشرك المرأة في المسؤوليات السياسية ويرفع عنها غبن التقاليد وظلم الأعراف المخالفة للإسلام: "إنما النساء شقائق الرجال" رواه أحمد والترمذي..
12- حفظ الأمن:
الأمن من مقاصد الإسلام:اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناًالبقرة126، ومن ضرورات الحياة ونعم الله:وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ قريش4.
ويشمل أمن الأفراد والجماعات والأمن الداخلي والخارجي، ويجعل العمل السياسي الإسلامي أمن الناس من مقاصده بأن يدفع عنهم كل ما يهدد حياتهم، ويسلك كل سبل التغيير الآمنة والسلمية، لا يغرر بالناس ولا يلقي بهم إلى التهلكة، ويقف ضد كل دعوة للعنف والإرهاب سواء جاء من جماعة أو من الحكومات وقواتها وأجهزتها.
13- الشورى:
الشورى من مقاصد العمل السياسي الإسلامي وصفة من صفات الجماعات المسلمة سواء أكانت حاكمة أو تعمل على الوصول إلى الحكم وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ الشورى38، هذه الآية نزلت في مكة والمسلمون جماعة صغيرة مضطهدة ليس لها كيان سياسي معلن.
وقد أمر الرسول  بالشورى وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِآل عمران159، وقد ذكر أبو هريرة أنه لا أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله .
والشورى قبل أن تكون آلية فهي قيمة يقصد العمل السياسي إلى ترسيخها في كل الأعمال الجماعية، تأليفا للقلوب وسدادا في الرأي وصوابا في القرار وحماية للصف.
والشورى أكبر من الهياكل والمؤسسات مع وجوب أن يكون سلوك المؤسسات التنفيذية والتشريعية والفنيّة، والهياكل الإدارية والتنظيمية والمدنية سلوكا شوريا.
14- عزة المسلمين:
عزّة المسلمين من عزة الله ورسوله:َولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَالمنافقون8.
وتكون بهيبة دولة المسلمين وسمعة الجماعات الإسلامية وبعزة أفراد الأمة: "ويسعى بذمتهم أدناهم وهو يد على من سواهم".
والعمل السياسي الإسلامي يجب أن لا يغيب عنه هذا المقصد عندما يعارض السلطة الحاكمة أو عندما يسير شؤون الجماعات والأفراد، أو عندما يعقد اتفاقيات وعهود.
15- التعارف والتعاون:
خلق البشر للتعارف:يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات13.
والتعارف يقود إلى التعاون:لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاًالزخرف32.
ومن هذا المقصد ينطلق العمل السياسي الإسلامي نحو سياسات حوار الثقافات وتحالف الحضارات ويؤسس للشراكة الحضارية رافضا أن يبقى الإسلام بعيدا عن القرار الدولي ومقصى من صناعة القوانين الدولية والقيم العالمية ومهمّشا في المؤسسات الأممية.
وعلى المستوى الداخلي فإن الحركة السياسية استنادا لمقصد التعارف والتعاون تعقد التحالفات والائتلافات وتحرص على القواسم المشتركة التي تجمعها مع الآخرين للوصول إلى برامج مشتركة لصالح الشعب.
وهو ذات المقصد الذي يؤسس لتنظيم الناس في جمعيات ونقابات من أجل التعاون وفقا لنقاط الالتقاء والتقارب والدفاع المشترك: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِالمائدة2.
هذه بعض مقاصد العمل السياسي الإسلامي وغيرها كثير لا يتسع المقال إلى ذكرها جميعا، والمهم التأسيس والاستحضار للبعد المقاصدي في العمل السياسي لدى العاملين سواء أكانوا مناضلين أو منضرين، برلمانيين أو منتخبين محليين، قيادات وطنية أو قيادات ولائية، نشطاء أو أعضاء.
وخلاصة الدرس الثاني هو ضرورة أن نتحرّى مقاصد الإسلام في كل ما يصدر عن عملنا السياسي لأنه عمل مقاصدي.
-----------------
(01): الاجتهاد المقاصدي ص 52.
(02): نظرية المقاصد عند الشاطبي ص8
(03): مجموع الفتاوى 28/288.
(04): مقاصد الشريعة الإسلامية 273.
(05): خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم ص 197، الدكتور فتحي الدريني.
(06): فتحي الدريني مرجع سابق ص329.
(07): الغياثي – تهذيب محمد أحمد الراشد، ص29.
(08): الاقتصاد في الاعتقاد ص99.
(09): نقلا عن كتاب المصلحة العامة ص 262، للدكتور فوزي خليل.
(10): المقدمة ص131.
(11): من خطبة الوداع.
(12): أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي محمد أحمد الراشد:1/20.
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 10:34 AM
  #3
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
Impp دروس في العمل السياسي الإسلامي(3)

"الدرس الثالث: العمل السياسي الإسلامي .. أخلاق.
كان الدرس الأول مركزا على أهمية اعتناء العامل بالقصد من عمله من خلال تحريره لله، خالصا لوجهه الكريم، واستكمل بالدرس الثاني الذي حث على ضرورة تحرّي مقاصد الإسلام وتحقيقها في مجال العمل السياسي الإسلامي. ويأتي الدرس الثالث تكملة لهما ليؤكد وجوب الالتزام بالأخلاق في العمل السياسي الإسلامي باعتبار أن المقاصد هي الرابط بين السياسة والأخلاق، وباعتبار أن القصد لا يفرق بين السياسة والأخلاق فكلها لله عز وجل.


السياسة والأخلاق:
قد يكون لكل لون من ألوان العمل السياسي أخلاقه، ولكن الالتزام بالأخلاق يبقى هو الحلقة المفقودة في العمل السياسي الذي أصبح رمزا لبعض الأخلاق السيّئة. إن نظرة النّاس في بلادنا للسياسة يشوبها كثير من التشويه نتيجة للممارسات اللاأخلاقية لأغلب السياسيين.
وقد ذكر الشيخ نحناح رحمه الله هذه الظاهرة في كتابه الجزائر المنشودة. "ينظر كثير من الناس للسيّاسة بعين الشك والارتياب، نظرة سلبية مليئة بالخوف والحذر، وربما بشيء من الاحتقار والكراهية، وأصبح الكثير منهم يرى الكذب والنفاق والخداع صفات طبيعية لرجل السياسة، منطلقين في حكمهم هذا من تأثير رواسب التجارب الماضية، أو من تأثير وسائل الإعلام المختلفة اللاهثة خلف الفضائح والقضايا المثيرة في عالم السياسة والسياسيين أو من تأثير واقع يومي مليء بمخازي وتعفنات بعض المشتغلين بالسياسة والدائرين في فلكها."(1)
ولشدة ارتباط السيّاسة بالأخلاق كان علماؤنا ممن كتب في شؤون السياسة والحكم يرون بوجوب التزام كل من كانت له ولاية على الناس بالأخلاق الحسنة وعددوا أوصافها، وكانوا يمزجون بين السياسة والأخلاق في علم واحد، وفي مؤلف واحد. والذي فصل بينهما هي المدرسة المكيافيلية وأتباعها الذين لا يرون وجود علاقة بين السيّاسة والأخلاق بل يدعون إلى تحرير السياسة من الأخلاق. إذ أكد مكيافيلي في كتابه "الأمير" أن السياسة لا تخرج عن فن إدارة المصالح الذاتية والجماعية خارج الاعتبارات الأخلاقية المعيارية.
وتعتقد بعض الثقافات الغربية أن الأخلاق تتعارض أحيانا مع المصالح القومية وفي هذه الحالة يجب تقديم الثانية على الأولى فأمريكا مثلا ترى بأنّ أمنها القومي يفرض عليها التدخل العسكري ضد أمم وشعوب أخرى مما يخلف وراءه آلاف القتلى والضحايا تحت عناوين ظاهرها أخلاقي وباطنها وراءه الخراب، كالتّدخل الإنساني والفوضى البناءة، ونشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وإزالة أنظمة الاستبداد...
ومنذ ما يقارب قرن من الزمن كان العالم الصيني "ين فو" مؤمنا بالغرب إلى درجة الانبهار إلى أن كفر به في أواخر حياته، وقال قولته المشهورة "إن الذي حققته شعوب الغرب في القرون الثلاثة الماضية تم بناؤه على أسس أربعة:
- أن تكون أنانيا.
- وأن تقتل الآخرين.
- وأن تكتسب أقل ما يمكن من النزاهة.
- وأن تشعر بأقل ما يمكن من الحياء".
وتلاحظ معي أخي القارئ الكريم أنها كلها أسس منافية للأخلاق، بل منافية للمعاني الإنسانية.
أما في الإسلام فرسولنا صلى الله عليه وسلم قدوة العالمين في الحقل السياسي وصفه ربه تعالى وإنّك لعلى خلق عظيم القلم 4.
واستطاع عليه الصلاة والسلام أن يجمع حوله الناس بحسن الخلق: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.
وكانت أعماله وأقواله وسلوكياته متطابقة تماما مع الرسالة التي جاء بها، والتعاليم التي دعا إليها، فقد وصفته عائشة رضي الله عنها بأنه "كان خلقه القران"(2) وكل من يعمل في حقل السياسة وجب عليه أن يكمل إيمانه بحسن الخلق "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا"(3) ليكون يوم القيامة مقربا من الرسول صلى الله عليه وسلم "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"(4)
وأمرنا أن نقدم حسن الخلق لتغيير نظرة الناس إلينا، ولتغيير علاقة العداوة بعلاقة الولاء ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فصلت 34.
إن العلاقة بين السياسة والأخلاق هي علاقة توحد «فالسياسة والأخلاق تتوحدان من خلال الحياة اليومية والخاصة بجميع جوانبها، فهي ليست أخلاقا نظرية من ناحية وإنما هي أخلاق فاعلة تربط بين المسؤولية الشخصية والقواعد الاجتماعية للسلوك الأخلاقي، ومن ناحية ثانية فإنها تتوحد مع السياسة حين نجعل من السياسة عملا أخلاقيا على المستويات الاجتماعية المتعددة»(5)
"فنحن لا نتحدث عن ثنائية أخلاق وسياسة، حتى نبحث لها عن علاقة متبادلة مفترضة بينهما، وإنما هي سياسة واحدة وأخلاق واحدة لقيم التعامل"(6).
إن العالم اليوم تحت وطأة الأنانية وغلبة المادية والرغبة في السيطرة، خاصة في ظل عولمة لا ترحم ضعيفا ولا تهتم بفقير، يعيش بالفعل أزمة أخلاق صيرت الحياة إلى لعبة، القلة القليلة فيها فائزة والأغلبية السّاحقة من الناس خاسرون تعساء. وقد دفع هذا الأمر ببعض المفكرين ورجال الدين الغربيين إلى التنادي إلى ضرورة أن تكون هناك أخلاق متفق عليها ويحترمها الكل، تضمن السعادة والكرامة للجميع." فخرج ما يسمى (بالإعلان عن الأخلاق العالمية) الذي أقره برلمان الأديان العالمية الذي انعقد في شيكاغو سنة 1993".(7)
وقبل هذا بخمسة عشر قرنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن مهمته "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(8).
إنها نظرة إلى الأخلاق كبناء إنساني وعالمي يبنى بالتراكم وجاء جهده عليه الصلاة والسلام متمما للجهود التي سبقته ومتوجا له.

هل السياسة فن الممكن؟
يرى البعض صعوبة الالتقاء بين السياسة والأخلاق، معتبرين أن السياسة هي ما هو ممكن والأخلاق هي ما يجب أن يكون وبين (الممكن) و(ما يجب أن يكون) تقاطعات قليلة في واقع مليء بالصراعات والتناقضات، ويزداد مادية وابتعادا عن المثالية يوما بعد يوم. إن العمل السياسي الإسلامي لا يقبل بالممكن عند ما يكون هذا الممكن هو التسليم بالأمر الواقع والتقاعس عن تغييره وإصلاحه وفقا للمنهج الإسلامي. ولا يقبل أيضا بالممكن لما يكون لتبرير عدم الالتزام بالأخلاق والتفلت من ضوابطها.
الشيخ محفوظ نحناح عندما استعمل كلمة "السياسة فن الممكن" ربطها بالشرع والأخلاق والأعراف: "فن الممكن بمعنى استخدام المتاح والمشروع من الوسائل والأساليب لتحقيق الغايات المرسومة والأهداف المحددة، ونقصد بالوسائل الممكنة والمشروعة، الوسائل التي لا تخالف شريعة القانون ولا تهتك شريعة الأخلاق، ولا تدوس شريعة الأعراف الحميدة التي تحكم حياة المجتمعات المتحضرة والدول المتمدنة"(9). فلا يمكن أن يقبل باسم (السياسة فن الممكن) التخلي عن المبادئ والتحلل من الأخلاق، والابتعاد عن الفضيلة والخير والوقوع في الرذيلة والشر. فابن خلدون يعتقد أن السياسة في حقيقتها خير "إذا الخير هو المناسب للسياسة".(10)
وأما ميكيافيلي فيرى أن السياسة فيها الغاية تبرر الوسيلة. وبالتالي تقبل كل الوسائل أخلاقية كانت أو غير أخلاقية مادامت ممكنة وتحقق الغاية المطلوبة. فالسياسي عنده هدفه الوصول إلى السلطة بأي وسيلة كانت، وعندها يصبح هدفه المحافظة عليها بشتى الطرق والوسائل ويقدم كل التنازلات من أجل ذلك. وهذا هو الخلاف الجوهري بين السياسة الإسلامية والسيّاسة العلمانية. فالسياسة العلمانية المستندة إلى الديمقراطية الليبرالية سياسة تتبع مقولة "الممكن" وللدكتور فتحي الدريني كلمة بليغة يقول فيها: "إن الديمقراطية السياسية في المفهوم الليبرالي نظام تقريري لا تقويمي بمعنى أنه يتملق الجمهور ويأخذ الناس على علاتهم أو على ما هم عليه ويعاملهم بهذا الأساس باسم الحرية"(11).
لقد برز في الساحة ساسة يعزفون على كل الأوتار ويقدمون كل ما يطلبه الطالبون ويرغب فيه السامعون ويرقصون على كل الألحان ويتذوقون كل الطبوع.
وعندما تصبح السياسة فن الممكن يتحول الممكن إلى كائن، وما وكان هو ما سيكون، ولن يتغير الحال نحو الأفضل، ويتداخل الماضي والحاضر مع المستقبل والرابط بينها هو الأشخاص الذين لا يتغيرون ولا يغيّرون الواقع، ولا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة.
وعندما يكون الممكن هو الأخلاق تصبح السياسة قوة هدامة دون ضوابط وقيم. وعندما يكون الممكن هو ما يمليه السادة وتنادي به العامة يفقد العمل السياسي الإسلامي خصوصيته الأخلاقية ويتخلى عن مشروعيته الإصلاحية التي ترفض الأمر الواقع ولكن تتعامل معه من أجل إصلاحه، وهذا هو معنى الواقعية الإسلامية الذي جعله كل الأنبياء والرسل شعارا لدعوتهم  إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُهود88.

الأخلاق السياسية:
نتعرض هنا إلى بعض الأخلاق الأساسية في الحياة السياسية مما أصبح الناس يفتقدونه كثيرا في السياسيين، ومن هنا يأتي تميز الإسلاميين وتأتي إضافتهم الكبيرة بإضفاء الأخلاق على الممارسة السياسية.

الصدق:
يظن غير الإسلاميين أن الصدق يتنافى مع ما تفرضه الممارسة السياسية، ويشكل قيدا عليها. وبالتالي يسمحون لأنفسهم بالكذب والنفاق والتدليس والتزوير وشهادة الزور وما إلى ذلك من أخواتها، ويعدون ذلك شطارة و(قفازة) وطريق موصلة إلى قلوب الناس وعقول الحكام ومنجاة لهم من كل فخ.
ولكن عند الإسلاميين "الصدق منجاة"(12) كما أنه "يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة."(13) ويتميّز المسلم عن المنافق بالصدق "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا أؤتمن خان."(14)
فالسياسي المسلم صادق الحديث صادق الخطاب صادق السلوك، صادق الوعد، صادق الولاء وصادق الانتماء.
والحركة السياسية الإسلامية أمرت أن تكون صادقة وأمر الفرد أن يكون معها لصدقها، وانتماؤه إليها ثمرة للتقـوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ  التوبة119.
لقد ذكر ابن القيم قاعدة سيّاسية جليلة استنبطها من قوله تعالى  وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً الأنعام115. وتصلح ليضعها كل مسؤول نصب عينيه باستمرار: (ومدار الولايات كلها على الصدق في الأخبار والعدل في الإنشاء).(15)
وهو ذات المعنى الذي ورد عن بعض الحكماء قديما عندما قالوا: "أول سعادة الملك صدقه وأول هلاكه جوره"(16)
فالمسؤولية تفرض على الفرد وعلى الجماعة الصدق في كل ما يخبر به من أخبار ومعلومات ويعلنه من سياسات وبرامج ويرفعه من شعارات ورايات.

الوفاء:
في زمن يتلون فيه الناس بألوان المصالح ويلبسون ثيابا بأنواع المناصب يكون السياسي الإسلامي شاهدا على الناس مميزا بخلق الوفاء.
إن السياسي في عصرنا تجده ينتقل من حزب إلى حزب ومن ولاء إلى ولاء، ومن لجنة مساندة إلى أخرى، ومن تأسيس إلى تصحيح.. إلى تقويم، ومن إيديولوجية إلى نقيضها، ومن معسكر إلى معسكر، ومن حلف إلى حلف، ومن قناعة إلى قناعة- إن كانت هناك قناعة- وقد يكون هذا التحول والانتقال في أزمان قياسية، وكل على مرات متعددة، كذلك بدافع المصلحة الخاصة التي يدور معها حيث دارت وإن طارت.
لقد أنكر الشيخ نحناح هذا السلوك السياسي المشين عندما قال: "إن استغلال المنصب السياسي أو الممارسة السياسية لتحقيق مصلحة خاصة أيا كانت (شخصية، عائلية، قبلية، حزبية، طبقية، وجهوية...إلخ، يعد سلوكا يتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي ويفقده معناه ومصداقيته).(17)
إن وفاء السياسي الإسلامي يقتضي منه أن يراعي وداد لحظة وإن أعقبها خصام، ويقرّ لمن أفاده لفظة وإن ألف عليها بعد ذلك كتاب، ويحفظ صداقة الصديق وإن باعدت بينهما المناصب والمسؤوليات، ولا ينسى لأهل الفضل فضلهم وإن كان قليلا وينسب السبق لأهله وإن عزّ عليه ذلك، ويكرم السابق وإن تفوق اللاحق، ويبنى على أسس من سبقه من المؤسسين الأولين.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان وفيا للمهاجرين الأولين فجعل الأمارة فيهم، كما كان وفيا للأنصار الصادقين ومن وفائه لهم لم يرجع للإقامة في مكّة بعد فتحها. وهي أحب أرض الله إليه. وعندما وزع الغنائم بعد غزوة حنين في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء فأحدثت عندهم القالة فاشتكي باسمهم سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فكان مما أجاب به وهو يخطب جمعا من الأنصار: "أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقتم ولصُدّقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فآسيناك. أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (بقلة خضراء ناعمة) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم فو الذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ولولا الهجرة لكنت إمرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وواديا، وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار" قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمّا وحظا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا."(18)
وكان أيضا عليه الصلاة والسلام وفيّا للأمم الأخرى من المخالفين ملتزما بالعقود والمواثيق أوفوا بالعقود المائدة01، وحتى المنافقين كان وفيا معهم، فرغم إيذائهم له وللمسلمين وخيانتهم للدولة الإسلامية، لم يشأ أن يقتلهم لكي لا يقال أن محمدا يقتل أصحابه.
إن الناس تغيرهم المناصب والأموال فيقلّ عندهم الوفاء ناكرين المعروف متناسين الماضي، متجاهلين الفضل، وهذا خلق اللئيم إذا تولى وأصبح مسؤولا "أول ما يبدأ اللئيم إذا ولي ولاية أو نال منزلة، هدْم دارِه وطلاق زوجته ومقاطعة إخوانه"(19).
"ومن أسباب ذلك الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيرا، وعلى الخلفاء تنكرا، إما من لؤم طبع وإما من ضيق صدر وقد قيل: من تاه في ولايته، ذل في عزله. وقيل ذل العزل يضحك من تيه الولاية".(20)




القدوة:
تفتقد ساحات العمل السياسي إلى القدوة الحسنة مما يدفع الناس غالبا إلى الإقتداء بالسياسيين السيئين. والمسلم قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما تراجعت القدوات وصغرت الهامات لقوله تعالى: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. الأحزاب21.
القدوة مطلوبة في الفرد ومطلوبة في الجماعة وقد خص الأستاذ مصطفى مشهور في كتابه "القدوة" فصلا خاصا بالجماعة الإسلامية القدوة، باعتبارها الوعاء المناسب الذي ينتظم فيه العاملون لتحقيق الهدف العظيم المتمثل في إقامة دولة الإسلام وقد حدد لها عشرين صفة."(21)
تبقى كل الرسائل والتعليمات وكل الخطب والكتب وكل اللوائح والقوانين مجرد كلام لا أثر له في واقع الناس إن لم يسنده ويقويه فعل من مسؤول قدوة. ولذلك تجد إذا سرق الوزير تبعه المير، وإذا كذب الأمير قلده الغفير، وإذا ارتشى المدير رشي العميل، وإذا أخطأ الرئيس تأسى به الجليس.
إن القدوة هي حجر الزاوية في العمل السياسي الناجح، وهي شرط توفيق في العمل السياسي الإسلامي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ الصف2-3.
فالناس يتأثرون بالأفعال أكثر مما يتأثرون بالأقوال، وقد جربوا كثيرا من المسؤولين القوّالين، وعاشروا عديدا من السياسيين الحاذقين، ولن يتميّز الإسلاميون عن هؤلاء إلا بأن يقدّموا من أنفسهم القدوة في العمل والتضحية، وفي الالتزام والتجرد، وفي تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وفي التفاني في خدمة الأفكار والمبادئ التي يؤمنون بها ويبشرون بها، وفي حب الحركة التي ينتمون إليها ويدعون إلى الانضمام لها.
القدوة تظهر غالبا عند الامتحان، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وقد يكون لذلك أثرا متعديا إلى الحركة التي يمثلها ويتحمل المسؤولية باسمها.
والناس يحاسبون الإسلاميين بقسوة أكثر من غيرهم لأنهم عندهم مثال للأخلاق والمبادئ والمثل. فلا يقبلون لهم هفوة ولا يقبلون لهم عثرة، ولا يتجاوزون لهم عن صغيرة ولا يغضون الطرف عن سقطة، خاصة إذا وجدت من الخصوم وتجار الفضائح من ينشرها ويضخمها ويعممها.
إن خلاصة الدرس الثالث من دروس العمل السيّاسي الإسلامي أن يلتزم العاملون بالأخلاق ويرفعونها تاجا فوق رؤوسهم في جمهرة الساسة المتفلتين من ضوابط الأخلاق. وتلك من مقاصد الإسلام وهي محل الأجر عند الله إن كان القصد خالصا دون حظ يشاركه في العمل.
-------------
(01) ص58.
(2) رواه مسلم وأحمد.
(3) رواه مسلم، أبو داود والترمذي.
(4) رواه الترمذي.
(5) (6) السيّاسة الشرعية ومفهوم السيّاسة الحديثة، محمد الدين قاسم، ص139-140.
(7) "الإسلام شريكا" للكاتب الألماني فريتس شيبات، ص70.
(8) رواه البيهقي في السنن الكبرى.
(9) الجزائر المنشودة، ص62.
(10) المقدمة، ص251.
(11) خصائص التشريع الإسلامي في السيّاسة والحكم، ص374
(12)
(13) رواه مسلم.
(14) رواه البخاري.
(15) الطرق الحكمية في السياسة التشرعية ص38.
(16) النهج المسلوك في سياسة الملوك، للشيخ عبد الرحمن الشيرازي، ص28.
(17) الجزائر المنشودة ص63.
(18) سيرة بن هشام 3/ص498-499.
(19) كتاب السياسة لأبي بكر الحضرمي، ص33.
(20) أدب الدنيا والدين للماوردي، ص238.
(21) القدوة على طريق الدعوة، مصطفى مشهور، ص52-61.
"
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 10:36 AM
  #4
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
Impp دروس في العمل السياسي الإسلامي (4)

الدرس الرابع: دعوتنا سياسة.. وسياستنا دعوة
يثور جدل كبير في بعض ساحات العمل الإسلامي منذ مدة، حول تصنيف الأعمال الإسلامية والتفاضل بينها، والأخطر هو الفصل بينها، كالدعوة إلى الفصل بين الدعوي والسياسي.
ويتحول الجدل أحيانا إلى عامل إرباك للعاملين، وعنصر تشويش على الدعوات وموضوع استقطاب للشباب خارج دائرة العمل السياسي الإسلامي.


وبنظر بعض هؤلاء المجادلون إلى السياسة نظرة تدنيس واحتقار وإلى الدعوة نظرة تقديس واحترام، وبناء على هذه النظرة يدعو هؤلاء إلى ضرورة الفصل بين السياسي والدعوي .. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ضرورة التأكيد على أن دعوتنا سياسة وسياستنا دعوة.

لماذا هذا الفصل؟
في الدول التي تعيش حالة من التحول الديمقراطي وهوامش من الحرية تسمح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يتكون شعور عند البعض بغلبة السياسي على الدعوي يتحول بالجدل والتقاط أخطاء الممارسة السياسية إلى رد فعل يدفع نحو إعادة توزيع النسب والأولويات بين الأعمال، وهنا تقع الأخطاء التي قد تتحول إلى خطايا.
وفي بعض التجارب التي اصطدمت بالأنظمة انكفأ بعض الدعاة على أنفسهم منسحبين من ساحة الفعل السياسي المعارض الذي يكلف الحياة ويقطع الأرزاق إلى ساحة الممارسة الدعوية الهامشية، ولكي يكون الانسحاب مقنعا يقدم بين يديه فلسفة في العمل الإسلامي تفصل بين السياسة والدعوة ولا ترى من مهمة للحركات الإسلامية إلا دعوة الناس وتعريفهم بالإسلام بالنصح والإقناع وهي نفس القناعة التي دفعت الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي إلى التهوين من العمل السياسي الإسلامي بقوله "فأما التكتيكات الحركية التي يخوض أصحابها ساحة منافسات ومسابقات إلى كرسي الحكم ومراكز النفوذ، فهي أبعد ما تكون عن حقيقة الدعوة إلى الله التي أمر الله بها في محكم كتابه، وأكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاياه وأحاديثه"(1)

أما الدكتور القرضاوي فقد كتب منتصرا لفكرة الجمع بين السياسي والدعوي إذ يقول: "وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سياسيا، بجوار كونه مبلغا ومعلما وقاضيا، فقد كان هو رئيس الدولة، وإمام الأمة، وكان خلفاؤه الراشدون المهديون من بعده سياسيين على نهجه وطريقته، حيث ساسوا الأمة بالعدل والإحسان، وقادوها بالعلم والإيمان.
ولكن الناس في عصرنا وفي أقطارنا خاصة، من كثرة ما عانوا من السياسة وأهلها، سواء كانت سياسة الاستعمار أم سياسة الحكام الخونة، أو الحكام الظلمة، كرهوا السياسة، وكل ما يتعلق بها، وخصوصا بعدما أصبحت فلسفة ميكيافيلي هي المسيطرة على السياسة والموجهة لها، حتى حكوا عن الشيخ محمد عبده أنه –بعدما ذاق من مكر السياسة وألاعيبها ما ذاق – قال كلمته الشهيرة : (أعوذ بالله من السياسة، ومن ساس يسوس، وسائس ومسوس!)

ومن ثم استغل خصوم الفكر الإسلامي، والحركة الإسلامية بغض الناس للسياسة، وضيقهم بها، ونفورهم منها، ليصفوا الإسلام الشامل المتكامل الذي يدعوا إليه الإسلاميون اليوم بأنه (الإسلام السياسي).

ولقد أصبح من المألوف الآن: وصف كل ما يتميز به المسلم الملتزم من المسلم المتسيب بأنه "سياسي"! ويكفي هذا ذما له وتنفيرا منه" (2)

جريمة الفصل بين الدعوي والسياسي:
في فائدة من هذا الفصل؟ هل في فائدة الإسلام أم في فائدة الحكام؟
وهل هو في فائدة الأحزاب الإسلامية أم في فائدة الأحزاب العلمانية؟ ثم هل هذا الفصل هو إنقاذ الدعوة من خطايا السياسة أم هو لتحرير السياسة من ضوابط الدعوة؟

ليست كل دعاوى الفصل على نفس الدرجة، فهناك:
1- الفصل الشامل الذي يتأسس على مفهوم العلمانية الشاملة وهو الفصل بين الدين والحياة.
2- الفصل السياسي الذي ينادي به من يرى في الإسلام منافسا فيدعو إلى إخراج الإسلام من السياسة أي الفصل بين الدين والدولة.
3- الفصل الدعوي الذي ينادي به بعض الدعاة لحماية الدعوة من السياسة وتقلباتها ومآلاتها، أي الفصل بين الدعوة والسياسة.
4- الفصل التنظيمي الذي ينادي به دعاة التخصص على أن تكون هناك تنظيمات خاصة بالسياسة وتنظيمات خاصة بالدعوة بدون جامع بينهما من رؤية ووجهة وخطة، أي الفصل بين الجمعية والحزب.
5- الفصل الشخصي الذي يدعو الدعاة إلى الابتعاد عن السياسة الحزبية وغير الحزبية باعتبارهم أكبر منها ويمثلون مراجع للأمة وناصحين للحكام لا معارضين لهم، أي الفصل بين الداعية والسياسة.

مع الجزم باختلاف القصد والرؤية والهدف والعمل بين هذه الأصناف الداعية إلى الفصل بين السياسي والدعوي فإنها تلتقي كلها في نتيجة واحدة وهي "تجفيف منابع العمل السياسي الإسلامي وإضعافه" بتجريده من عناصر قوته كالمرجعية الإسلامية واجتماع جهود القائمين على العمل الإسلامي في رؤية جامعة، وبحرمانه من بعض العاملين ومن سواد الناس وتأييدهم وأصواتهم في مراحل المنافسة السياسية مع الآخرين.
وحتى أولئك الذين يضنون أنهم مصلحون فإن عملهم لن يؤتي ثماره في ظل ترك مجال السياسة والحكم لغير الصالحين.

وقد قال الشاعر قديما:
وهل يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وهذا ما يؤكده الأستاذ الشهيد حسن البنا في قوله: "والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون"(3).

وبعض الدعاة الجدد ممن يبذلون جهدا مشكورا مأجورا في دعوة الناس للإسلام، فإنهم من حيث يدرون أو لا يدورون يقومون بأدوار تضر بعموم العمل الإسلامي السياسي.

فبعضهم يركز على الفرجة ويغفل الفكرة، وبعضهم يهتم بالفرد ويترك المجتمع، وبعضهم ينشر التدين الفردي ويهمل التدين الجماعي وبعضهم الآخر يتحدث في العبادات والأخلاق ويسكت عن قضايا الأمة وشؤون الحكم ويفتي في فقه الفرد ولا يلتفت إلى فقه الدولة.

وهذه المجهودات تفصل بين الدعوة والسياسة، وإن كانت تقوي الدعوة وتوسع من دائرة المتدينين، فإنها تضعف العمل السياسي الإسلامي وتسحب منه ولا تضيف إليه، وهي دعوة لا تزعج الحاكم ولا تغضب العلماني ولا تخيف أمريكا ولا "إسرائيل" لأنها لا تنقل تعاليم الدعوة إلى مؤسسات الدولة ولا تؤسس لدولة الدعوة.

ومن خلال كل ذلك يتبين لنا أن الفصل بين الدعوي والسياسي هو جريمة:
- جريمة في حق الدعوة لأنها تصيّرها دعوة عمياء بدون وجهة سياسية ولا رؤية استراتيجية، وتبقى الدعوة ضعيفة مغلوبة على أمرها بدون حكم يحرسها أو قوة سياسية تحميها.
- وهو جريمة في حق السياسة لأنها تبقيها سياسة ضالة بدون دعوة تهديها وسياسة استغلالية بدون أخلاق تهذبها، وبنيان هش مهدوم بدون أساس سليم يقوم عليه.

دعوتنا سياسة:
جوهر الدعوة الإسلامية هو تحرير ولاءات الناس خالصة لله وإنقاذهم من ذل العبودية لغير الله، وهو نداء للاستقامة على المنهج السليم وتوجيه للناس للقيام بكل أعمال البر الصالحة.
كما أن الدعوة هي انشغال بأمر الأمة وحالها والوقوف إلى جانبها ونصرتها والتضامن مع شعوبها وأفرادها.
وهي أيضا دعوة لإقامة العدل ورفع الظلم عن الناس والقيام بإصلاح شؤونهم ومحاربة كل مظاهر وأسباب الفساد.
وكل هذه الأعمال لها مدلولات سياسية لأنها تغير فكرة بفكرة وتعاليما بتعاليم، وواقعا بواقع، وبرنامجا ببرنامج، ومشروع مجتمع بمشروع مجتمع.
والدعوة الإسلامية هي أمر بمعروف -كبيرا أو صغيرا- ونهي عن منكر -كبيرا أو صغيرا- (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)التوبة71. ومن أعظم المعروف إقامة دولة الإسلام، والمنكر الأكبر أن يحكم المسلمون بغير الإسلام ويتولى شؤونهم شرارهم.
وتكون دعوتنا سياسة عندما نمارس النصيحة ممارسة دعوية سياسية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".(4).
وتكون دعوتنا سياسة عندما تصدع الدعوة بكلمة الحق: "كلمة حق عند سلطان جائر".(5).
(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ) الأحزاب 39.
وربعي بن عامر الجندي كان داعية وسياسيا في نفس الوقت عندما أجاب قائد الفرس رستم على سؤال: ما الذي جاء بكم: "جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
وانظر إلى الترابط بين الدعوة والسياسة تأثيرا وتأثرا من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لمهم" (6).
فالتقاعس عن القيام بالدعوة ينتج عنه تمكن الأشرار. إن للدعوة دور عظيم من أجل أن لا يتسلط على الناس الأخيار شرارهم فتضيع الدعوة ولا يستجاب للدعاء فيهلك الناس جميعهم.
إن الدعوة التي تعلمناها ورفعنا لواءها هي في حدّ ذاتها سياسة.

وفي هذا المعنى يقول الأستاذ البنا: "وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشؤون أمتنا ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة والقومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية وإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف. ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد ولكنه يحدوه دائما إلى الكفاح والجهاد (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)العنكبوت69".(7)

ويعتبر أن المسلم الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون سياسيا: "أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا يعيد النظر في شؤون أمته مهتما بها غيورا عليها، وأستطيع كذلك أن أقول أن هذا التحديد والتجريد أمرا لا يقره الإسلام، وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تقهم معنى الإسلام".(8)
ووصف الدكتور القرضاوي كيف يكون المسلم سياسيا وهو في قلب الصلاة يقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحكم وذكر كيف وظف الأستاذ حسن البنا قنوت النوازل في تعبئة الشعب المصري ضد الاحتلال الإنجليزي، ثم علق القرضاوي على ذلك بقوله: "وهكذا كنا ندخل في معترك السياسة ونخوض غماره ونحن في محراب الصلاة متبتلون خاشعون"(9).

سياستنا دعوة:
في العمل السياسي الإسلامي وراء الموقف السياسي دعوة تؤطره وتضبطه، فتأسيس التنظيم وتكوين الحزب وهيكلة الأعضاء وتسطير البرامج وإصدار السياسات وإعلان المواقف والترشح للانتخابات والقيام بالحملات الانتخابية والترويج للمرشحين والدخول إلى المجالس المنتخبة وإقامة التحالفات وربط العلاقات، والاتصال بالآخر وتسيير الإدارات، والإشراف على الوزارات وبناء المؤسسات، وتنظيم التجمعات ونشر الإعلام وعقد المؤتمرات، كل ذلك يصدر عن فكرة دعوية تبتغي إقامة الإسلام ونشر تعاليمه وتشجيع الالتزام به وتقديم النموذج الإسلامي المنتظر، وتحضير البديل الإسلامي المتميز، ومواجهة الدّعوات الباطلة والمشاريع الضالة من خلال المواقع المؤثرة التشريعية والتنفيذية والرقابية.

إنها الوظيفة الدعوية للتمكين السياسي الذي تحدث عنه القرآن الكريم: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)الحج41.
لقد حددت هذه الآية الوظيفة الدعوية للتمكين السياسي في أربعة واجبات:
1- إقامة الدين والعبادة..(أَقَامُوا الصَّلَاةَ).
2- بسط النظام الاقتصادي الاجتماعي: (وَآتَوُا الزَّكَاةَ).
3- نشر الخير والصلاح والمعروف بكل أنواعه: (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ).
4- محاربة الفساد والشر والمنكر بكل أنواعه: (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ).
وقد يكون أحيانا في أوقات الزحف السياسي عمل السياسي وعمل الداعية مقتربا من الحالة التي وصفها عبد الله بن المبارك في رسالته إلى العابد الفضيل بن عياض التي استملها وهو في المسجد الحرام:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تعلب
وعلق عليها الفضيل بقوله صدق أبو عبد الرحمان ونصحني.

سياستنا دعوة لأن العامل في الحقل السياسي يتاح له مخالطة الناس أكثر من الداعية، ويلحقه الأذى من الناس أكثر من الداعية، وقد أمر المؤمن بالمخالطة والصبر على الأذى الذي يلحقه من جراء المخالطة "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (10).

وخطأ السياسي يكون عندما لا يلتزم مبادئ الدعوة ويحيد عن تعاليم الإسلام تحت إغراءات المال والجاه والسلطان. وقد قدم الحسن البصري قاعدة جليلة تتعلق بالموازنة بين العلم والعبادة يمكن القياس عليها في الموازنة بين الدعوة والسياسة، إذ يقول: "اطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا"(11).

وسياستنا دعوة لأن الدعوة سابقة للدولة ومنشئة لها والتاريخ الإسلامي يخبرنا أن الدول التي عمرت كثيرا واستعمرت الأرض هي تلك التي أنشأتها دعوة ثم قامت الدولة بنفسها بمهمة الدعوة.
ويقر بذلك العلامة بن خلدون في مقدمته: "الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق".(12)

وعندما يبدأ الانفصال بين الدعوة والدولة يبدأ الانحراف ويبدأ العد التنازلي لسقوط الدولة وينحسر سلطانها. وقد أمرنا في هذه الحالة أن لا نفارق الكتاب وأن لا نسعى إلى السلطان لإرضائه على حساب طاعة الله: "ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب".(13)

وخلاصة القول أنه في منظور العمل السياسي الإسلامي لا يمكن أن تنفصل السياسة عن الدعوة لا في المرجع ولا في الهدف ولا في الموضوع ولا في النتيجة، فالإسلام مرجعهما والإنسان موضوعهما وشؤون الناس والقيام عليها بما يصلحها هدفهما وصبغ حياة المسلمين بصبغة الله نتيجة لأعمالهما (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً)البقرة138.
ولذلك نكرر دوما أن دعوتنا سياسة.. وسياستنا دعوة.

______________________
الهوامش:
(1) الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – الجهاد في الإسلام، ص67.
(2) الدكتور يوسف القرضاوي - من فقه الدولة في الإسلام، ص 99.
(3) الأستاذ الإمام حسن البنا - مجموعة الرسائل ص 136 رسالة المؤتمر الخامس.
(4) رواه مسلم.
(5) رواه بن ماجة وأحمد والطبراني والبيهقي.
(6) متفق عليه.
(7) الأستاذ الإمام حسن البنا - مجموعة الرسائل ص 213 رسالة المؤتمر السادس.
(8) الأستاذ الإمام حسن البنا - مجموعة الرسائل ص 159 رسالة في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين.
(9) الدكتور يوسف القرضاوي - من فقه الدولة في الإسلام، ص 97.
(10) رواه البخاري.
(11) ذكره الإمام بن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة، ص82.
(12) ابن خلدون- المقدمة، ص109
(13) حديث رواه إسحاق."
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 12:54 PM
  #5
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
04 دروس في العمل السياسي الإسلامي(5)

الدرس الخامس: القرار السياسي إسلاميا: هو صناعة اجتهادية جماعية
عبد المجيد مناصرة
الحياة عمليا هي مجموعة قرارات، وكل فرد يمارس وظيفة القرار إما بمباشرة اتخاذ القرار أو المشاركة في صناعته، كما أن هناك قرارات لا تتعدى آثارها أصحابها، فإن بعض القرارات الأخرى يصل تأثيرها إلى أفراد آخرين: فرب الأسرة قراراته تتعداه إلى أفراد أسرته ومدير المؤسسة تنعكس آثار قراراته على كل من تشملهم المؤسسة.

أما القرار السياسي فتتعدى آثاره إلى عموم الناس وتتجاوز الحدود الزمانية لتؤثر في المستقبل، فكم من قرارات أنهت حركات وأسقطت دولا وأزاحت أمما، وكم من قرارات بنت دولا وصنعت حضارات ورفعت من شأن أمم وأسعدت أقواما.
فالنجاح والخسارة، النصر والهزيمة، التقدم والتخلف تصنعه قرارات.
من هنا تتأكد لدينا أهمية القرار السياسي باعتباره أحد أهم نشاطات المؤسسة السياسية ويتوقف عليه نجاح القائد السياسي في أداء مهامه من خلال تحويل أهداف المؤسسة وسياستها إلى واقع ملموس وإنجازات عملية. وكل هذا النجاح لا يمكن تحقيقه إلا بالجهد والاجتهاد الجماعي.
وهذا هو مدلول الدرس الخامس من دروس العمل السياسي الإسلامي.

مفهوم القرار السياسي:
هناك علوم كثيرة معنية بدراسة موضوع القرار كعلوم السياسة والإدارة والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي...
والتعريف المشترك بينها للقرار هو: "الاختيار بين عدد من البدائل المتاحة لتحقيق هدف محدد"، وهذا التعريف متوافق مع المعنى اللغوي لكلمة قرار: الاستقرار على أمر والميل إليه واختياره دون غيره.
والقرار السياسي ما كان موضوعه سياسيا وتتخذه جهة سياسية، قد يكون في صيغة إجراءات وأوامر أو في صورة تصريحات ومواقف أو في شكل سياسات وبرامج أو عبارة عن نظم وقوانين.
ويتعلق موضوع القرار السياسي بقضايا السلطة وإدارة شؤون الدولة وتنفيذ سياسيات الحكم تجاه الداخل والخارج وفي حالات السلم والحرب، كما يتعلق بتصريف أمور الموطنين في مختلف المجالات.
والجماعات السياسية معنية بالقرار السياسي الذي تتخذه داخل هياكلها أو ذاك الذي تضغط على السلطة لاستصداره أو تشارك في صناعته.
ولا يجب أن يفهم من هذا الشرح أن القرار السياسي لا يعني إلا الجهات التي تتخذه، فكل فرد في الدولة معني به إما مباشرة أو بآثاره كمواطن، والقرار السياسي الذي يصدره حزب سياسي يهم كل عضو فيه من قريب أو من بعيد بآثاره المتعدية ومآلاته المستقبلية ونتائجه الواقعية سلبا أو إيجابا. إذن فلجميع معني بالقرار السياسي، وبداية الكارثة تكون عندما يختزل القرار في فرد أو مجموعة معنية بالقيادة دون أن يشارك فيه من سيتولى تنفيذه وتحمل آثاره، وقد قال المهلّب وهو من أقوى القادة في التاريخ الإسلامي:"إن من البلية أن يكون التدبير لمن يملكه دون من يباشره" (1).

القرار السياسي إسلاميا:
نجد في التراث السياسي الإسلامي استعمال كلمة التدبير التي تفيد معنى القرار. وقد ذكر هذا المعنى الدكتور فوزي خليل: "إن عملية صنع القرار السياسي في الرؤية الإسلامية عملية –بحكم مقاصدها ومرجعيتها- ترتبط في تفاعلاتها بمفهوم التدبير الذي يعني التفكير العميق والدراسة الواعية للأمور وحسن التقدير لمآلاتها وعواقبها".(2)
في العمل السياسي الإسلامي يعتبر القرار اجتهاد سياسي من أولي الأمر بهدف تحقيق المصلحة العامة.
"ومن هنا فإن علمية صنع القرار السياسي في الرؤية الإسلامية هي في المقام الأخير لون من الاجتهاد في الحياة العامة، لمواجهة المواقف والوقائع المثارة فيها بقصد اختيار أحد البدائل أو الحلول العملية التي تفضي إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة".(3)
فالاجتهاد هنا هو إعمال للفكر لتحديد الخيارات الممكنة والمصالح أو المفاسد المترتبة على كل خيار ومن ثمة الموازنة بينها وترجيح أحد الخيارات على ضوء الموازنة.
إذن فالقرار السياسي إسلاميا هو اجتهاد جماعي أي اجتهاد مؤسسة من خلال:
- الاجتهاد في تحديد المقاصد الشرعية المرجو تحقيقها من خلال القرار والمتضمنة للمصالح.
- والاجتهاد في تحديد الوسائل الموصلة إلى تلك المقاصد وكما يقول علماء الأصول:"الوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل".(4)
- والاجتهاد في الموازنة بين المصالح والمفاسد التي غالبا ما تكون مختلفة ويتوصل بذلك إلى تحديد خير الخيرين وشر الشرين.
- والاجتهاد في الترجيح بين المصالح والمفاسد واختيار الوسيلة المحققة لأفضل المقاصد.
وصاحب القرار في العمل السياسي الإسلامي يحتاج أثناء التدبير إلى استيعاب وفهم أربع أنواع من الفقه:
1- فقه المقاصد: ينظم ويوجه حركته السياسية فتكون متقصّدة وغائية.
2- فقه المصالح: يعينه على رعاية شؤون الناس بما يخدم مصالحهم.
3- فقه الأولويات: يرتب له أهدافه لكي لا يقدم المهم على الأهم أو المفضول على الفاضل أو يأتي السنة ويترك الفرض.
4- فقه الضرورة: يرسم له استراتيجيات الأزمات لكي يحسن إدارتها ويطبق سياسة الممكن.

أسس القرار:
هناك مجموعة أسس يتأسس عليها القرار السياسي إسلاميا:
1- أساس الإيمان:
تعتمد الثقافات والمرجعيات الأخرى غير الإسلامية على أسس عقلية فقط تخرج منها أي معنى من معاني الإيمان والاستعانة بالله والتوكل عليه والإنسان مهما أوتي من قوة ومهما بذل من جهد في اتخاذ الأسباب ومهما سعى في توفير المعلومات ومهما استعان بآخرين فإن المنهجية الإدارية لا تكفيه لأنه ضعيف لا يقدر على كل شيء وإن علم شيئا غابت عنه أشياء. فبدون التوفيق الإلهي يخسر الإنسان ويضل.
والمسؤول المؤمن إلى جانب تحري الصواب والأخذ بالأسباب فإنه يستعين برب الأرباب ويتوكل عليه، وشعاره: (إياك نعبد وإياك نستعين). (فإذا عزمت فتوكل على الله).
ويدعو الله عند كل قرار أن يوفقه ويهديه إلى الأصوب والأهدى، كما يلجأ إلى صلاة الاستخارة قائلا: "..اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.." (5).

2- أساس المصلحة:
يستند القرار السياسي إلى المصلحة الشرعية وهي مناط المسؤولية إذ السياسة هي القيام على الأمر بما يصلحه، وقد قعّد علماؤنا قاعدة ذهبية في السياسة الشرعية: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" وفرعوا عنها قاعدة عامة تشمل الولايات والمسؤوليات الأخرى: "وكل متصرف على الغير منوط بتحقيق المصلحة".
فالقرار السياسي يجب أن لا يخالف الشرع بل يحرص على تحقيقه وإن لم ينص على ذلك قرآن أو حديث. فحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.
فكل قرار يقاس بمقياس المصلحة الشرعية العامة ويدور معها حيث دارت.

3-أساس الجماعية:
يستند القرار السياسي إلى الجماعية فالجماعة إطاره والفردية سجنه والشورى مناخه والاستبداد قاتله.
والجماعة مؤسسة فمن الخطأ القاتل ترك القرار لفرد أو فئة أو شلة، فهو يصدر عن مؤسسات لا عن أشخاص، خاصة في ظل تعقد الأمور وتعدد البدائل وكثرة الضغوط وتشابك المصالح، وقد ازداد وعي الناس بحيث أصبحوا لا يتقبلون أو على الأقل لا يتفاعلون مع القرارات الفردية.
إن الجماعية كما هي مشاركة في اتخاذ القرار فهي مشاركة في تنفيذه وإنجاحه فيشعر الجميع بأن القرار قرارهم والجماعية هي أيضا ممارسة شورية (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم).
وقد روى الإمام مالك بن أنس بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سنة؟ فقال: اجمعوا العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا برأي واحد".(6).
ففيه دعوى إلى جماعية القرار ونبذ الرأي الواحد أي القرار الفردي. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما".(7)
وقد توقف سيد قطب عند قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) مستخلصا قيمة إضافية للشورى: "ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة (وأمرهم شورى بينهم) مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما سياسيا للدولة فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليها أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة".(8).

4- أساس الدراسة:
القرار الرشيد هو القرار المدروس دراسة تستند إلى معلومات معالجة ومحللة وتنتهي إلى طرح البدائل الممكنة والمتاحة.
لقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة من أصحابه أن يقدّموا معلومات إحصائية عن عدد المسلمين لأنه كان ينظر للمستقبل فقال: "أحصوا لي كم يلفظ الإسلام".(9)
فالقرار يجب أن لا يخضع للعواطف أو ردود الأفعال غير المدروسة أو يستعجل في الدراسة بطريقة لا تمكن من الرؤية الواضحة ومن القدرة على تبين الحق في المختلف فيه.
ويحتاج أصحاب القرار السياسي إلى هيئات تسندهم بالدراسات وتختصر لهم الوقت وتوفر لهم بدائل مفصلة ومعللة بما يعينهم على اتخاذ قرار رشيد.

5-أساس المآلات:
لا يكفي في القرار وصف الحال بجمع المعلومات ودراستها بل يتطلب التفكير في مآل القرار ونتائجه وتوقع صورة تعامل الناس معه، ودرجة حماسة المنفذين له واستحضار تأثيراته المستقبلية بكل موضوعية واستشراف.
فكم من قرارات صحيحة جاءت مآلاتها بالوبال والخسران واستغلت من طرف الخصوم والأعداء أفدح استغلال فكانت النتائج عكسية.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين".(10)

مراحل القرار:
القرار عبارة عن عملية تشمل مجموعة خطوات وليس خطوة واحدة، إذ كثيرا ما يندفع بعض المسؤولين لاتخاذ قرار خطير في لحظة سريعة مكتفيا بما تراءى له في تلك اللحظة أو مدعيا أن الموضوع لا يحتاج إلى دراسة ولا إلى تشاور لأنه جلي واضح.
إن إغفال اتباع الخطوات المنهجية في اتخاذ القرار ستنتج عنه أخطاء يصعب تصحيحها، "إن القرارات مثل الطلقات النارية إذ لا يمكن استرداد الرصاصة التي انطلقت بعد أن تقرر في بداية الأمر إطلاقها، كل ما يمكن في هذه الحالة هو اتخاذ قرار آخر يحل محله ويغير مجرى الأمور حسبما يريد الإنسان المعني بالموضوع".(11)
عند اتخاذ القرار يمكن أن نقترح اعتماد المنهجية المرحلية التالية:
- الخطوة الأولى: تقدير الموقف بتحليل الأوضاع المحيطة والمرتبطة بموضوع القرار.
- الخطوة الثانية: تحديد الهدف أو الأهداف (المقاصد) المرجوة من اتخاذ القرار مرتبة وفقا للأولويات وبوضوح.
- الخطوة الثالثة: جمع المعلومات والبيانات والحقائق والوثاق حول الموضوع.
- الخطوة الرابعة: مراجعة الإمكانيات المتاحة بواقعية.
- الخطوة الخامسة: طرح وعرض البدائل الممكنة ومناقشتها.
- الخطوة السادسة: ترجيح أحد البدائل بالموازنة بين سلبيات (مفاسد) وإيجابيات (مصالح) كل بديل.
- الخطوة السابعة: إصدار القرار من الجهة المخولة بذلك وبالطريقة المنصوص عليها والمتعارف عليها.

القرارات الخاطئة:
التاريخ مليء بنماذج القرارات الناجحة والقرارات الخاطئة ويحسن بالقائمين على العمل السياسي الإسلامي أن يقرؤوها ويأخذوا منها الدروس ويمكن لهم أن يعيدوا قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم الخلفاء الراشدين وما تلا ذلك من خلافة وملك وسلطنة في التاريخ الإسلامي.. قراءة سياسية تبحث في القرارات وكيف اتخذت. وكيف غيرت تاريخ الأمة ووجه العالم؟ دون أن تغفل هذه القراءة القرار الخاطئة التي أساءت لتاريخ الإسلام وآثارها السلبية مثل قرار توريث الخلافة في زمن معاوية الذي لا تزال الأمة تعاني من انعكاساته على الحريات والدعوة والدولة.
وأنصح أن يتجاوز القائمون على العمل السياسي الإسلامي في قراءتهم التجربة الإسلامية إلى التجربة البشرية ليتعلموا المزيد في موضوع القرار. وقد قرأت مؤخرا كتابا تحت عنوان :"أعظم 74 قرار إداريا على الإطلاق وأسوأ 21 قرارا" لصاحبه الأمريكي ستيوارت كرينر stuart crainer جمعها من عالم الإدارة من كل أنحاء العالم ومن كل العصور وهي قرارات غيرت وجه العالم، وكما اختار القرارات الناجحة اختار أيضا القرارات الفاشلة باعتبار أن الفشل أيضا يعلّم. طبعا الكتاب مكتوب بنفس غربي يجهل تاريخ الأمم الأخرى.
ويمكن أن نذكر هنا بعض الأسباب الصانعة للقرارات الخاطئة لتفاديها:
- الاستبداد بالرأي والتفرد بالقرار وعدم التشاور مع الآخرين أو مشاورتهم دون الأخذ برأيهم. ولقد أكدت كثير من الدراسات أهمية اعتماد التحليل النفسي للعناصر التي تتفرد باتخاذ القرار. "وقد احتضن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت حلقة نقاش يومي 7 و8 جويلية 2006 ناقشت موضوع صناعة القرار بالبلدان العربية.. كانت هناك ملاحظة وجود سيناريو يركز على رئيس الدولة.. فهذا الرئيس بعد تسلمه السلطة يبدأ عهده بشكل متواضع مؤكدا مبدأ القيادة الجماعية واعدا بتحقيق إصلاحات هيكلية وسياسية وإدارية.. لكنه ما يلبث بعد ذلك أن يعصف برفاق الأمس الواحد تلو الآخر. مستبدلا إياهم بعناصر من رتب صغيرة أقل أهمية، تفتقر إلى الكفاءة في العمل.. ونتيجة لذلك يصبح ولاؤها مطلقا للزعيم الذي أتاح لها فرصة تقلد المناصب العالية وفي هذا المناخ تغيب المشاركة في صناعة القرار.. ولا يعود هناك حديث عن القيادة الجماعية أو التشاور في الأمر ورويدا رويدا تحدث تغيرات جوهرية في الأنماط السلوكية للقائد ويصبح مزاجه حادا ويضيق بالرأي الآخر، وتتضخم الأنا في ممارساته وتتضاعف نرجسيته ويصبح الموظفون التابعون له مجرد إمعات، يقتصر دورهم على الهتاف والتصفيق وتأييد القرارات الصادرة عن الرئيس".(12)
- الخضوع للعواطف وعدم لجمها بنظرات العقول.
- التحلل من الأخلاق فقد أكد ستيوارت كرينر في كتابه السابق ذكره على أهمية الأخلاق :"ليست القرارات العظيمة هي القرارات المالية أو الشخصية، بل إن القرار العظيم هو الذي يحتوي على العنصر الأخلاقي".(13).
- التردد في اتخاذ القرار والتشكك بعد صدوره.
- نقص المعلومات أو كثرتها فكلاهما يضر بالقرار.
- التسرع في اتخاذ القرار أو التباطؤ فيه، إذ الوقت عنصر أساسي من عناصر القرار.
- الحرص على ربح معركة اليوم دون الغد عندما يقتصر النظر على تحقيق مكاسب ظرفية وإن أدت إلى مخاطر مستقبلية
- ومن الأخطاء أيضا عدم متابعة تنفيذ القرارات والاكتفاء بإصدارها.

بين صناعة القرار واتخاذ القرار:
يشيع في موضوع القرار استعمال المصطلحين (صناعة القرار- اتخاذ القرار).
ويخطئ الكثير من الناس في التفريق بينهما.
إن مفهوم القرار ليس قاصرا على الاختيار النهائي بين البدائل المطروحة بل هو كل العمليات والأنشطة التي تؤدي إلى هذا الاختيار.
إن صناعة القرار عملية تشمل كل الخطوات المتعلقة بالتحليل والدراسة والاستشارة. أما اتخاذ القرار فهي عملية تشمل الخطوات النهائية المتعلقة بالشورى والاختيار.
والقرار الرشيد هو ذلك القرار الذي يصنع في إطار جماعي بالتحليل والدراسة والاستشارة ثم يتم الاختيار (اتخاذ القرار) بالتشاور الجماعي.
من أخطاء بعض الحركات السياسية أنها تركز على اتخاذ القرار مغفلة عملية صناعة القرار التي تسبقه وتحضر له.
فكما توجد مؤسسات اتخاذ القرار يجب أن تؤسس مؤسسات صناعة القرار السياسي، فغالبا ما لا يتوفر لهيئة القرار –إن كان مكتبا تنفيذيا أو مجلسا للشورى- الوقت الكافي للدراسة وأحيانا لا الإمكانيات المؤهلة للوصول إلى قرار ناجح ورشيد، وهنا تكون الحاجة ماسة إلى مؤسسات تصنع القرار السياسي من خلال تقدير الموقف وجمع المعلومات وتحليل الأوضاع وإجراء الدراسات وتنظيم المناقشات وطرح البدائل واستحضار المآلات مع الحرص على توفير الرأي والرأي الآخر مما يساعد على العصف الذهني الكاشف لكل زوايا وخبايا الموضوع.
وفي هذه الحالة سيكون عمل مؤسسة اتخاذ القرار سهلا وصائبا. إن الناس ينظرون إلى القرار في صورته التي يخرج إليهم بها ولكنهم لا يرون الجزء المخفي. وبالتالي حكم الناس على القرار ينصب على ما يرون. إذا كان القرار مصنوعا صناعة جيدة كان إخراجه مقبولا عند الناس وناجحا في الواقع، أما إذا صنع صناعة "تايوانية" أو كان مقلدا لا مصنوعا أو صنع صناعة رديئة لم تأخذ بشروط نجاحه ولم تلتزم بالخطوات المنهجية.. كان القرار مرفوضا وسيئا وتترتب عليه كوارث ضارة وأخطاء قاتلة.
وخلاصة نقول إن القرار السياسي في العمل الإسلامي هو اجتهاد جماعي مدروس يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة فلتقاس كل قراراتنا على هذه المقاييس.

الهوامش:
(1) نقلا عن كتاب فصول الإمرة والأمير، سعيد حوى: ص71.
(2) المصلحة العامة من منظور إسلامي، الدكتور فوزي خليل: ص376.
(3) المصلحة العامة من منظور إسلامي، الدكتور فوزي خليل: ص377.
(4) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام: ص39.
(5) رواه البخاري.
(6) رواه ابن القيم في أعلام الموقعين: ج1، ص65.
(7) رواه أحمد.
(8) في ظلال القرآن- سيد قطب.
(9) رواه مسلم.
(10) رواه البخاري.
(11) الاتجاهات الحديثة في علم الإدارة، الدكتور عمار بوحوش: ص156.
(12) مقالة بعنوان: "البنية الثقافية العربية وصناعة القرار" يوسف مكي، الموقع الإلكتروني: التجديد العربي.
(13) أعظم 74 قرارا إداريا على الإطلاق، ستيوارت كرينر: ص 117
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 12:55 PM
  #6
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
افتراضي رد: دروس في العمل السياسي الإسلامي

[motr]
لا تبخلوا علينا بردودكم
[/motr]
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 12:57 PM
  #7
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
افتراضي رد: دروس في العمل السياسي الإسلامي(2)

[motr]
لا تبخلوا علينا بردودكم
[/motr]
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 12:58 PM
  #8
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
افتراضي رد: دروس في العمل السياسي الإسلامي(3)

[motr]
لا تبخلوا علينا بردودكم
[/motr]
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 12:59 PM
  #9
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
افتراضي رد: دروس في العمل السياسي الإسلامي (4)

[motr]
لا تبخلوا علينا بردودكم
[/motr]
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2009, 01:00 PM
  #10
kharroubi00
VIP_MEMBRE
مشرف سابق
 الصورة الرمزية kharroubi00
 
La spécialité: Autres
اخرى ( جامعة عربية او اجنبية )
تاريخ التسجيل: 22-11-2008
الدولة: الجزائر/تيارت/تيارت
المشاركات: 193
kharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميزkharroubi00 عضو يستحق التميز
افتراضي رد: دروس في العمل السياسي الإسلامي(5)

لا تبخلوا علينا بردودكم
kharroubi00 غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
السداسي, العلم, الإسلامي, الإسلامي(2), الإسلامي(3), الإسلامي(5), دروس


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفكر السياسي الإسلامي سآهر الليل فرع العلوم السياسية و العلاقات الدولية 3 30-01-2010 10:45 PM
أهمية الوعي السياسي في العمل الاسلامي kharroubi00 فرع العلوم السياسية و العلاقات الدولية 0 15-08-2009 11:54 PM
العزوف عن العمل السياسي الحزبي kharroubi00 فرع العلوم السياسية و العلاقات الدولية 0 10-08-2009 10:47 AM
التسويق السياسي كمن منتدى عام 3 15-04-2009 08:35 PM
معايير تمييز العمل المدني عن العمل التجاري هشام القانوني السنة الثالثة 1 21-03-2009 07:28 PM


الساعة الآن 04:31 AM.