في رحـــــــاب آية ........ (متجدد)

المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
في: آذار 14, 2012, 03:53:40 مسائاً






بادن الله تعالى ساحاول ان اضع بهدا الموضوع في كل مرة اية  قرانية كريمة
مع معلومات عنها و شرح لها
من مصادر موثوقة بادن الله تعالى







فذكر إن نفعت الذكرى




قال تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى} (الأعلى:9)




جاء القرآن الكريم تذكيراً للناس بخالقهم ورازقهم، وبدايتهم ونهايتهم، وما لهم وما عليهم. وكانت مهمة الأنبياء عموماً التذكير والبلاغ، والتبشير والإنذار. وحمل الدعاة الراية من بعدهم، فساروا على دربهم، ودعوا إلى سنتهم وهديهم.

وقد تضمن القرآن الكريم العديد من الآيات الداعية إلى الالتزام بهذا الدين، والحاثة على اقتفاء صراطه المستقيم. ومن الآيات المفتاحية في هذا الصدد، قوله تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى} (الأعلى:9)، فهذه الآية أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده بتذكير جميع الناس، ودعوتهم إلى دين الحق.

ولنا مع هذه الآية وقفتان اثنتان:

الوقفة الأولى: أن قوله تعالى: {إن نفعت الذكرى} يُثير تساؤلاً، حاصله: أن الآية علقت التذكير على وجود النفع بالذكرى، ما يعني أن المذكر إذا علم أن الذكرى غير نافعة، فلا يجب عليه التذكير، مع أن هذا الفهم مخالف لنصوص مطلقة، توجب التذكير والبلاغ، بغض النظر عن النتيجة، كقوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر} (الغاشية:21). هذا السؤال استرعى انتباه المفسرين، وحاول كل توجيهه وقراءته بما بدا له من دليل وفهم، وجملة توجيهاتهم نسوقها وفق التالي:

التوجيه الأول: أن الآية اكتفت بذكر أحد الأمرين لدلالته على الثاني، والتقدير: (فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع)، كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} (النحل:81)، والمعنى: وتقيكم البرد، فحُذف (البرد) لعلم السامع به. وهذا التوجيه قال به الجرجاني والواحدي ورجحه الشوكاني. وقد قال الجرجاني في هذا الصدد: التذكير واجب، وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر، إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع.

التوجيه الثاني: أن الشرط في الآية على حقيقته، وأن الآية سيقت مساق التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كاد يهلك نفسه في دعوة البعض، ولم ير منهم إلا صداً وعناداً، كما قال تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} (الكهف:6)، فأمره سبحانه بأن يخص بالتذكير من كان يرجى منه استجابة وقبولاً، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفوراً وفساداً وغروراً، كما قال تعالى: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق:45). وقد مال إلى هذا التوجيه الآلوسي، من جهة إبقاء الشرط على حقيقته، وكونه أنسب لمساق الآية بعدُ. فالأمر بالتذكير - بحسب هذا التوجيه - إنما يكون لمن يرجى منه القبول والاستجابة.

التوجيه الثالث: أن جملة: {إن نفعت الذكرى}، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي: فذكِّر إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، وهذا كقول الشاعر:


لقد أسمعت - لو ناديت حيًّا - ولكن لا حياة لمن تنادي


فالجملة الاعتراضية (لو ناديت حيًّا) تفيد معنى التوبيخ، وتفيد أن الإرشاد والنصح ينفعان من يستحق أن يوصف بالحياة، أما من لا يستفيد من النصيحة فكأنه ميت، وإن كان في صورة الأحياء. وهذا كله كما تقول لرجل: قل لفلان، وأعد له، إن سمعك. إنما هو توبيخ للمشار إليه.

وعلى هذا يكون المراد من الآية: داوم على تذكير الناس كلهم، إن نفعت الذكرى جميعهم، أي: وهي لا تنفع إلا البعض، وهو الذي يؤخذ من قوله سبحانه: {سيذكر من يخشى}، فالشرط في قوله تعالى: {إن نفعت الذكرى} جملة معترضة، وليس متعلقاً بالجملة ولا تقييداً لمضمونها؛ إذ ليس المعنى: فذكر إذا كان للذكرى نفع، حتى يُفهم منه بطريق مفهوم المخالفة، أن لا تُذَكِّر إذا لم تنفع الذكرى؛ إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة؛ لأنه لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى.

فالآية - بحسب هذا التوجيه - سيقت مساق التعريض بمن لا يستجيب لنداء الحق، وبيان أن في الناس من لا تنفعه الذكرى؛ وذلك يُفهم من حرف الشرط (إن) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط، أو ندرة وقوعه؛ ولذلك جاء بعده بقوله: {سيذكر من يخشى}، فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله: {فذكر} وما لحقه من الاعتراض بقوله: {إن نفعت الذكرى}، المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكَّرين.

وهذا التوجيه للآية ذكره ابن عطية ومال إليه، وتبناه ابن عاشور، ولم يلتفت إلى غيره، وقد قال في هذا الصدد: "وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحاً لا غبار عليه، ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى (إن)، ولا حاجة إلى تقدير: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني...".

الوقفة الثانية: أن هذه الآية الكريمة قد يفهمها بعض من يخوض غمار الدعوة إلى الله فهماً خاطئاً، فيقول: إن دعوتي لفلان لم تأت بخير، أو يقول: إني دعوتُ فلانا وفلانا مراراً وتكراراً، فلم أجد منهم إلا صداً وامتناعاً، أو يقول: إن من دعوتهم غيرُ مؤهلين لقبول دعوة الإسلام، فلا جدوى لدعوتهم ثانية وثالثة، أو يقول نحو هذا مما يقال من الكلام الذي لا يليق بصاحب الدعوة.

والحقيقة - كما قال بعض أهل العلم - أن هذه الآية تقوم بتعليم أصحاب الدعوة وظيفتهم في الإرشاد، وتوصيهم وتقول لهم: إن كان تذكيرك مفيداً فداوم عليه، علماً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من خطاب الله له بقوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} (البقرة:6)، فإنه دوام على تذكير قساة القلوب من قريش، أمثال أبي جهل وغيره.

إن أساس وظيفة التبليغ والإرشاد هو تنفيذ أمر الله بدوام هذا التبليغ والاستمرار عليه. ولو أخذنا استجابة الناس أو عدم استجابتهم بالحسبان لأدى هذا إلى شيء معاكس ومناف لمفهوم الدعوة في الإسلام، ألم يقل سبحانه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (المائدة:67). وقال سبحانه: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص:56)، وبهذا نعلم أن المهمة الملقاة على عاتق الدعاة إنما هي التبيلغ، والتبليغ فحسب.

وعلى الجملة، فإن قوله تعالى: {إن نفعت الذكرى} لا تفيد التقييد، بل التأكيد على مهمة البلاغ والتذكير؛ لأن هذا الكلام البليغ الموحى به، لا بد أن يكون له نفع، ولو على مستوى الاستعداد الداخلي الفطري، أما استفادة المدعوين فعلياً أو عدم استفادتهم فهو شأن آخر، والآية ساكتة عنه.








المصدر



[/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #1 في: آذار 15, 2012, 06:16:20 مسائاً







أجيب دعوة الداع إذا دعان


 قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:186)






الدعاء أهم مقامات العبودية، ومن أفضل العبادات؛ لما فيه من إظهار للعبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية، والرغبة إليه فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالعبادة، والاستعانة والتضرع إليه.

وقد تخلل آيات الصيام في القرآن الكريم قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:186). نقف مع هذه الآية الوقفات التالية:


الوقفة الأولى: ترشد الآية الكريمة إلى أهمية الدعاء في حياة المسلم، وأن الدعاء سلاح المؤمن، يستعين به على درب الحياة. وقد وردت آيات عديدة ترغب في الدعاء وتحث عليه، من ذلك قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر:60)، وقوله سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} (الأعراف:55). كما جاء في السنن قوله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، رواه أصحاب السنن وغيرهم. وهذا الحديث يدل على أن الدعاء عبادة. وقد قال الرازي: فمن أبطل الدعاء، فقد أنكر القرآن.


الوقفة الثانية: تصرح الآية الكريمة أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. وقد جاءت أحاديث تؤكد وتقرر هذا المعنى، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد إليه يديه، يسأله فيهما خيراً، فيردهما خائبتين). رواه الإمام أحمد.


وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).


وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء)، رواه الترمذي.


وروى الطبري عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب، حتى تعجل له في الدنيا، أو تدخر له في الآخرة، إذا لم يعجل أو يقنط. قال عروة: قلت: يا أماه! كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: سألت فلم أُعطَ، ودعوت فلم أُجَب.


الوقفة الثالثة: ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية جاءت مطلقة بإجابة كل داع، واستجابة كل دعوة، ثم قالوا: إن هذا الإطلاق مقيد بآية أخرى، وهي قوله تعالى: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام:41)، فهذه الآية تدل على أن إجابة الداعي، واستجابة الدعوة متعلقة بمشيئة الله. وقد تعقب بعض المفسرين هذا القول، بأن قال: الإجابة الموعود بها في الآية إنما هي إجابة في الجملة، على ما تشير إليه كلمة {إذا} لا كلياً، بمعنى أن الإجابة ليست حاصلة لكل داع، وإنما هي إجابة من حيث الجملة؛ وبالتالي فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة. وكأن المعنى عند هذا البعض: أن من فضل الله وكرمه على عباده أن يجيب دعائهم، لكن هذا لا ينفي أن لا يجب دعاء من لم يستوف شروط قبول الدعاء، كالإخلاص، والاعتقاد بأن تصريف الأمور كلها إنما هي بيده الله سبحانه.


قال ابن عاشور: دلت الآية على أن إجابة دعاء الداعي تَفَضُّل من الله على عباده، غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان؛ لأن الخبر لا يقتضي العموم.


الوقفة الرابعة: قال ابن عاشور: إنما قال تعالى: {فإني قريب}، ولم يقل: (فقل لهم: إني قريب)؛ إيجازاً لظهوره من قوله: {وإذا سألك عبادي عني}؛ وتنبيهاً على أن السؤال مفروض غير واقع منهم بالفعل. وفيه لطيفة قرآنية وهي التنبيه على أن الله تعالى تولى جوابهم عن سؤالهم بنفسه؛ إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله عليه وسلم؛ تنبيهاً على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء.


الوقفة الخامسة: {فليستجيبوا لي}، أي: فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني، أو فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. و(استجاب) و(أجاب) واحد، ومعناه إجابته مسألته بتبليغه مراده وسؤاله.


الوقفة السادسة: {وليؤمنوا بي}، أي: ليؤمنوا بي حق الإيمان؛ بأن يؤمنوا بأن الله واحد أحد، لا شريك له، وأن يؤمنوا بقدرته التي أبدعت وخلقت كل شيء فقدرته تقديراً، وأنه المستعان في الشدائد، والملتجأ في المكاره.


الوقفة السابعة: طاعة الله تعالى في كل ما يأمر به، وينهى عنه، والإيمان به حق الإيمان هو سبيل الرشاد في هذه الدنيا، وإدراك حقيقتها، وفهمها والإصلاح فيها؛ ولذلك قال تعالى: {لعلهم يرشدون}، أي: يرجون بالإيمان الصادق والالتجاء إليه سبحانه وحده أن يرشدوا، بأن يسيروا في طريق الرشاد الذي لا عوج فيه، فيَصلحون، ويصلح الناس بهم، ويسلكون جميعاً طريق الهداية والرشاد.


قال أبو حيان: وخَتْمُ الآية برجاء الرشد من أحسن الأشياء؛ لأنه تعالى لما أمرهم بالاستجابة له، وبالإيمان به، نبه على أن هذا التكليف ليس القصد منه إلاَّ وصول العبد بامتثاله إلى رشاد نفسه، وأن هذا الرشاد لا يصل إليه تعالى منه شيء من منافعه، وإنما ذلك مختص بالعبد.


الوقفة الثامنة: قال أهل العلم: في ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر. وفيه أيضاً إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.


الوقفة التاسعة: ترتجى الإجابة من الأزمان عند السَّحَر، وفي الثلث الأخير من الليل، ووقت الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وأوقات الاضطرار، وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر، والصف في سبيل الله، والعيدين، والساعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: وهي من الإقامة إلى فراغ الصلاة. ومن الأماكن: في الكعبة، وفي الحرم، وفي المشاعر المقدسة، كعرفات، وعند الجمرات، وعلى الصفا والمروة.




أخيراً، فإن باب الدعاء مفتوح على مصراعيه، ولا يجوز لأحد - صالحًا كان أو غير صالح - أن يغلقه على نفسه، ولا على غيره. وقد قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحد من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} (الحجر:36)، فاستجاب الله له، وذلك قوله: {قال فإنك من المنظرين} (الحجر:37). فحريٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء، ولا يتوانى في ذلك.








المصدر

[/COLOR][/SIZE]


SmART G!rL

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 1711
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #2 في: آذار 15, 2012, 06:59:12 مسائاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
وما أعظمه من كلام
عن كتابه جل في علاه
رائع يا غالية
موضوع جد قيم
جزاكِ الله خيراً لجهدك
نفع ربي بكِ أخيتي
   المهندسة مي
جعلها الله  فـي موااازين حسنــأإتـكْ
دمــت بحفظ أللّــهْ رعايته
       


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #3 في: آذار 15, 2012, 07:03:24 مسائاً






شكرا لك اختي و بارك الله فيك
و جزاك كل خير بادنه
ووفقنا جميعا الى ما يحبه و يرضاه






المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #4 في: آذار 16, 2012, 05:06:59 مسائاً






 ومن يتوكل على الله فهو حسبه



قوله سبحانه: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} (الطلاق:3)






في سورة الطلاق أو سورة النساء الصغرى - كما تسمى - وردت أربع آيات كريمة، ربطت بين الفعل والجزاء، ورتبت النتيجة على أسبابها ومقدماتها؛ الآية الأولى، قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق:2-3) والثانية، قوله سبحانه: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} (الطلاق:3) والثالثة، قوله عز وجل: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا} (الطلاق:4) والرابعة، قوله تعالى: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا} (الطلاق:5). ولنا مع هذه الآيات بضع وقفات:

الأولى: أن الجزاء في ثلاث من هذه الآيات رُتب على تقوى الله؛ وتقوى الله في معهود الشرع، فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، وهي رأس الأمر كله، وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض صحابته، قوله عليه الصلاة والسلام: (اتق الله حيثما كنت) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

الثانية: جاء قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} تكملة لأمر التقوى؛ فإذا كانت تقوى الله سبب لتفريج الكربات، ورفع الملمات، وكشف المهمات، فإن في توكل المسلم على ربه سبحانه، ويقينه أنه سبحانه يصرف عنه كل سوء وشر، ما يجعل له مخرجًا مما هو فيه، وييسر له من أسباب الرزق من حيث لا يدري؛ وأكد هذا المعنى ما جاء في الآية نفسها، وهو قوله تعالى: {إن الله بالغ أمره} أي: لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة، فإن الله إذا وعد وعدًا فقد أراده، وإذا أراد أمرًا يسر وهيأ أسبابه.

وقد وردت عدة أحاديث تشد من أزر هذا المعنى؛ من ذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ، ثم تلا قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} فما زال يكررها ويعيدها ). رواه أحمد والحاكم وغيرهما.

وروى الإمام أحمد في "مسنده" عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر).

الثالثة: أن الله سبحانه وعد عباده المتقين الواقفين عند حدوده، بأن يجعل لهم مخرجًا من الضائقات والكربات التي نزلت بهم؛ وقد شبَّه سبحانه ما هم فيه من الحرج بالمكان المغلق على المقيم فيه، وشبَّه ما يمنحهم الله به من اللطف وتيسير الأمور، بجعل منفذ في المكان المغلق، يتخلص منه المتضائق فيه.

الرابعة: في قوله تعالى سبحانه: {من حيث لا يحتسب} احتراس ودفْعٌ لما قد يُتوهم من أن طرق الرزق معطلة ومحجوبة، فأعْلَم سبحانه بهذا، أن الرزق لطف منه، وأنه أعلم كيف يهيئ له أسبابًا، غير مترتبة ولا متوقعة؛ فمعنى قوله تعالى: {من حيث لا يحتسب} أي: من مكان لا يحتسب منه الرزق، أي لا يظن أنه يُرزق منه.

الخامسة: تفيد الآيات المتقدمة، أن الممتثل لأمر الله والمتقي لما نهى الله عنه، يجعل الله له يسرًا فيما لحقه من عسر؛ واليسر انتفاء الصعوبة، أي: انتفاء المشاق والمكروهات؛ والمقصود من هذا تحقيق الوعد باليسر، فيما شأنه العسر.

السادسة: في قوله تعالى: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} أعيد التحريض هنا على التقوى مرة أخرى، ورتَّب عليه الوعد بما هو أعظم من الرزق، وتفريج الكربات، وتيسير الصعوبات، وذلك بتكفير السيئات، وتعظيم الأجر والثواب.

وبعد: فإن للتقوى أثرًا أي أثر في حياة المؤمن، فهي مفتاح كل خير، وهي طريق إلى سعادة العبد في الدنيا والآخرة، يكفيك في ذلك، قول الله عز وجل: {ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} (الأعراف:96) وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم، نسأل الله أن يجعلنا من الملتزمين بشرعه، ومن المتقين لأمره ونهيه.







المصدر



[/SIZE][/COLOR]


الفتاة الرقمية

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 6420
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #5 في: آذار 16, 2012, 08:53:34 مسائاً
السلام عليكم
بارك الله فيك
موضوع جد مهم
ان شاء الله سأكون بالمتابعة
احترامي



المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #6 في: آذار 17, 2012, 03:44:43 مسائاً






شكرا لك اختي و بارك الله فيك





المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #7 في: آذار 17, 2012, 03:50:11 مسائاً








فإني قريب أجيب




{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}(البقرة:186)




دعوة القرآن إلى الدعاء والحث عليه وردت في مواضع عديدة من كتاب الله، نختار منها قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}(البقرة:186) وقوله سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية} (الأعراف:55) وقوله جلا وعلا: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر:60) وغير ذلك من الآيات الداعية إلى الدعاء.

والدعاء من جهة اللغة يطلق على سؤال العبد من الله حاجته، ويطلق من جهة الشرع على معان عدة، منها العبادة، وعلى هذا فُسر قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني؛ وعن ثابت، قال: قلت لأنس رضي الله عنه: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة ؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها.

وإذا كان الدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، فإن العبادة أيضًا هي الدعاء، إذ لا تخلو عبادة من الدعاء، ولكن ما نريد إدارة الحديث حوله هنا، هو أهمية الدعاء بمعناه الأصلي واللغوي، ونقصد بذلك توجه العباد إلى الله تعالى طلبًا لقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهو أمر يكاد يغفل عنه كثير من المسلمين، مع ندب الشرع إليه، وشدة احتياجهم إليه.

فمن فضل الله تبارك وتعالى وكرمه أن ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ ففي الحديث: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني} رواه مسلم. وفي حديث آخر: {إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين} رواه أحمد.

ويلاحظ أن طلب الدعاء في الخطاب القرآني جاء مقرونًا ومرتبًا عليه الإجابة؛ فالعلاقة بينهما علاقة السبب بالمسبَّب، والشرط بالمشروط، والعلة بالمعلول، فليس على العبد إلا الالتجاء إلى الله - بعد الأخذ بالأسباب - وطلب العون منه في كل عسر ويسر، وفي المنشط والمكره، ووقت الفرج ووقت الكرب؛ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما إن يدخر له، وإما إن يكف عنه من السوء بمثلها. قالوا: إذن نكثر ؟ قال: الله أكثر) رواه أحمد.

وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) رواه البخاري ومسلم.

قال السدي في تفسير قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع} ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروها .

ولسائل أن يسأل: فما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ وفي الجواب على هذا نختار ما أجاب به القرطبي عن هذا الإشكال، إذ قال رحمه الله: الجواب أن يُعْلَم أن قوله الحق في الآيتين {أُجيب} و{أستجب}لا يقتضي الاستجابة مطلقًا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (الأعراف:55) وكل مصر على كبيرة عالمًا بها أو جاهلاً فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين، فكيف يُستجاب له؛ وأنواع الاعتداء كثيرة.

ويمكن أن يقال أيضًا: إن إجابته سبحانه متعلقة بإرادته، فيجيب لمن يشاء من عباده، ويُعْرِض عمن يشاء، لحكمة يريدها الله، يؤيد هذا قوله تعالى: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام:41) والقرآن يفسر بعضه بعضًا.

إذا تبين هذا كان من اللازم القول: يمنع من إجابة الدعاء موانع لا بد من مراعاتها والتحفظ منها؛ وهي على العموم فعل كل ما لا يرضي الله سبحانه، كأكل الحرام وما كان في معناه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ذكر (...الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب}، وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من كانت هذه صفته؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي أن يكون عالمًا أنه لا قادر على قضاء حاجته إلا الله، وأن يدعو بنية صادقة وقلب حاضر، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. وغير ذلك من الشروط التي فصل العلماء القول فيها.

والذي نخرج به مما تقدم، أن أمر الدعاء في حياة المسلم لا ينبغي أن يُقَلِّل من شأنه، ولا أن يحرم المسلم نفسه من هذا الخير الذي أكرمه الله به، والمسلم حريص على الخير، أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واحرص على ما ينفعك) وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: (احرص) ليتبين لك قيمة هذا الهدي النبوي. ولا شك فإن النفع كل النفع في الدعاء، وخاصة إذا استوفى أسبابه؛ ولعل فيما خُتمت فيه آية البقرة: {لعلهم يرشدون} ما يؤكد هذا المعنى؛ كما أنَّ فيما خُتمت به آية غافر: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ما يشد من أزر هذا المعنى، والله أعلم.













المصدر




[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #8 في: آذار 18, 2012, 06:11:47 مسائاً







ولقد كرمنا بني آدم..






قال تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء:70)






الإنسان محور الخطاب القرآني، فهو المخاطب الرئيس في القرآن، والقرآن لأجله نزل، ولا عجب في ذلك، فهو أكرم مخلوق على الله، وقد فضله سبحانه على كثير ممن خلق، يقول عز من قائل: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء:70)، فما هي دلالة هذه الآية الكريمة؟

المقصود الرئيس من هذه الآية ذكر نعمة جليلة من نعم الله تعالى على الإنسان، وهي النعم التي بها فضل الله الإنسان على غيره. وقد ذكر تعالى في هذه الآية أربع نِعَمٍ:

الأولى: تكريم بني آدم، فالإنسان أكرم المخلوقات الموجودة في هذا العالم. ومن تمام كرامته على الله سبحانه، أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه {الأكرم}، فقال سبحانه: {اقرأ وربك الأكرم} (العلق:3)، ووصف نفسه بـ (التكريم) عند تربيته للإنسان، فقال عز من قائل: {ولقد كرمنا بني آدم}، ووصف نفسه بـ {الكريم} في آخر أحوال الإنسان، فقال: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} (الانفطار:6)، وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان. قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كما قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين:4)، أي: يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية".

وقد تعددت أقوال المفسرين في المراد بهذا (التكريم)، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كرمهم سبحانه بالعقل. وعن الضحاك بالنطق، وعن عطاء بتعديل القامة وامتدادها، وعن زيد بن أسلم بالمطاعم والملذات، وعن يمان بحُسن الصورة، وعن الطبري بالتسلط على غيرهم من الخلق، وتسخيرهم لهم، وعن محمد بن كعب بجعل محمد صلى الله عليه وسلم منهم. قال الآلوسي: "والكل في الحقيقة على سبيل التمثيل؛ ومن ادعى الحصر في واحد..فقد ادعى غلطاً، ورام شططاً، وخالف صريح العقل، وصحيح النقل".

قال السعدي: "وهذا من كرمه عليهم وإحسانه، الذي لا يقادر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام؛ فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة". فهذه الآية تفيد تكريم الإنسان مطلقاً، البرُّ والفاجر، والمطيع والعاصي.  

الثانية: تسخير البر والبحر للإنسان، ويدخل في هذا تسخير الجو، وهذا أيضاً من مؤكدات (التكريم) المذكور أولاً؛ لأنه تعالى سخر كل هذه الأشياء للإنسان، واختصه به من سائر خلقه؛ ما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع، وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له.

الثالثة: الرزق من الطيبات، فقد ألهم الله تعالى الإنسان أن يَطعَم ما يشاء مما يروق له، وجعل في الطعوم أمارات على النفع، وجعل ما يتناوله الإنسان من المطعومات أكثر جداً مما يتناوله غيره من الحيوان، الذي لا يأكل إلا أشياء اعتادها.

الرابعة: تفضيل الإنسان على كثير من المخلوقات، والمراد بهذا: التفضيل المشاهد، الذي جماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلاً على سائر الخلق. وقد ذكر المفسرون ها هنا مسألتين:

الأولى: أنه سبحانه قال في أول الآية: {ولقد كرمنا بنى آدم}، وقال في آخرها: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، ولا بد من فرق بين هذا (التكريم) و(التفضيل)، وإلا لزم التكرار. وقد أجاب الرازي عن هذا، فقال: "الأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خَلْقِيَّة طبيعية ذاتية، مثل: العقل، والنطق، والخط، والصورة الحسنة، والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرَّضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل".

قال ابن عاشور في هذا الصدد: "الفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص؛ فالتكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره، على أنه فضله بالعقل الذي به استصلاح شؤونه، ودفع الأضرار عنه، وبأنواع المعارف والعلوم".

الثانية: أنه تعالى لم يقل: (وفضلناهم على الكل)، بل قال: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، فهذا يدل على أن ثمة مخلوقات لله تعالى لا يكون الإنسان مفضلاً عليه، وكل من أثبت هذا القسم، قال: إنه هو الملائكة. فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة، بل الملائكة أفضل من الإنسان، وهذا القول مذهب ابن عباس رضي الله عنهما.

ولا شك، فإن إقحام لفظ {كثير} في قوله تعالى: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} مراد منه التقييد والاحتراز والتعليم الذي لا غرور فيه، فيُعلم منه أن ثَمَّ مخلوقات غير مفضل عليها بنو آدم، تكون مساوية، أو أفضل إجمالاً، أو تفصيلاً، وتبيينه يُتلقى من الشريعة فيما بينته من ذلك، وما سكتت فلا نبحث عنه.

وظاهرٌ أن نسبة (التفاضل) بين نوع الإنسان وأنواع من الموجودات الخفية عنا، كالملائكة والجن، ليست بمقصودة هنا، وإنما تُعرف بأدلة توقيفية من قِبل الشريعة. فلا تُفْرض هنا مسألة التفضيل بين البشر والملائكة. على أن هذا (التفضيل) لا يراد منه عظم الدرجة، وزيادة القربة عند الله تعالى؛ لأن الحكم للنوع من حيث هو، وذكر سبحانه لذلك موجبات تعم الصالح والطالح، فسواء دخل في هذا (الكثير) الملائكة، أو لم يدخل، لم يدل على (الأفضلية) بالمعنى المذكور.

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أنها سيقت مساق الامتنان، فبينت ما خصَّ الله به بني آدم من المناقب، وفضلهم به من الفضائل، التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات، ما يستدعي أن يقوموا بشكر مَن أولى النعم، ودفع النقم، ولا تحجبهم النعم عن المنعم، فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم، بل ربما استعانوا بها على معاصيه. وقد قال بعض المفسرين ما حاصله: "الظاهر من سياق الآية أنه حثٌّ للإنسان على الشكر، وعلى أن لا يشرك به تعالى، حيث ذكر ما في البر والبحر من حُسن كلاءته سبحانه له، وضمن فيه أنه جلا وعلا هداهم إلى الفلك وصنعته، وما يترتب عليه من الفوائد".

بقي أن نقول بعد ما قاله المفسرون بخصوص هذه الآية: إن المأزق التي تعيشه الإنسانية اليوم هو مأزق التفرقة بين البشر، والكيل بينهم بمكيالين، فعلى الرغم من المواثيق الدولية التي تنص على احترام إنسانية الإنسان، بيد أن الواقع يدل على خلاف ذلك، فثمة فجوة عميقة بين تلك المواثيق وواقع الناس، فإن تلك المواثيق الدولية لم تضمن لكل إنسان كرامته وحريته، فما زال كثير من الناس يموتون تحت القهر والعبودية، ويعانون أشد أنواع التعذيب والتنكيل، ولا غرابة في ذلك، فإن تلك القوانين لا يمكن لها أن تضمن شيئاً من الكرامة والحرية في عالم لا يتوفر فيه للضمير الإنساني قاعدة أخلاقية.

وهل في الواقع من مغزى لهذا الضمان في ضمير المستبدين والطغاة والمستعلين على الناس، يعذبون كل من أراد أن يتنسم عبق الحرية المغصوبة، ويقتلون كل من سعى لاسترداد كرامته المسلوبة..إن تلك القوانين لا تغني مطلقاً من الحق شيئاً، ما لم يكن لدى الضمير الإنساني سبب معين لكي يحترم كرامة الإنسان، وما لم يكن لديه في هذا النطاق ضوء سماوي يستمد منه نوره، فإن أي "إعلان دولي لحقوق الإنسان" يكون من قبيل الأدب المجرد. إن القرآن يأتينا بهذا الضوء الذي يحوط الإنسان، ويجعله محترماً في عيني أخيه الإنسان، إنه يأتي بهذا السبب السامي الذي يفرض احترامه مهما كان لونه، وجنسه، وقوميته، واعتقاده. وهو يضع لفلسفة الإنسان هذا الأساس الإيماني: {ولقد كرمنا بني آدم}.

فهذه الآية القرآنية تعطي للإنسان كل عظمته، وكل مكانته، وكل حجمه في الضمير الإسلامي، وإنما ينتج حجمه من هذا (التكريم) الأساسي، حيث لم يعد الإنسان نقطة صغيرة في عالم المادة الحية، نقطة صغيرة تافهة، إذا قيست بمقاييس المادة تلك التي تعد الكرة الأرضية ذاتها نقطة صغيرة تافهة، تستطيع قنبلة ذرية واحدة أن تمحو منها مائتي ألف نسمة كما حدث في هيروشيما.

فحجم الإنسان في نظر الإسلام ينتج عن التكريم الإلهي الذي خصه الله به، عندما نشهد في حديث القرآن عن الخلق سجود الكون لآدم، ثم طرد الله لإبليس؛ لأنه رفض السجود له، ونحن ندرك كم يكون هذا الأساس مهماً لتشييد بناء إنسانية عالمية، مهماً في اللحظة التي لم تعد تستطيع فيها الإنسانية خلاصاً من مأزقها، حيث أقحمتها إرادة القوة، إلا عن هذا الطريق: طريق القرآن الذي يهب للإنسان حريته وكرمته وألوان اختياره جميعاً.  

وكم يكون من الضروري والمفيد في هذا الطريق، أن نأخذ بهذه المبادئ الإسلامية، ونعمل على تنشيطها في واقعنا، وتفعيلها في حياتنا؛ وذلك بجعلها ثقافة سائدة في المجتمع الإسلامي، وتطبيقها بمفهومها الاجتماعي في مجالات الحياة كافة. وجدير بالقادة المسلمين أن ينظروا إلى هذه المشكلة في هذا الاتجاه، فيترجموا قيم الإسلام (الروحية) إلى قيم (اجتماعية)، وهم بهذا يسهمون في إغناء الثقافة الإنسانية بحقيقة إسلامية تحييها، وتؤتيها بالتأكيد عنصراً جوهرياً مكملاً، يغذي أجنة عديدة، يجب أن يتم نموها وتطورها في اتجاه احترام إنسانية الإنسان.








المصدر








[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #9 في: آذار 19, 2012, 12:44:30 مسائاً





جاء ربه بقلب سليم




قوله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:88-89)


قوله عز وجل: {إذ جاء ربه بقلب سليم} (الصافات:84)





موضوع (القلب السليم) والسالم موضوع مهم؛ ذلك أن الله سبحانه ذكر موضوع القلب السليم في آيتين كريمتين، كلاهما جاءتا في سياق الحديث عن الموقف الشركي لوالد إبراهيم عليه السلام مقابل الموقف التوحيدي لإبراهيم عليه السلام. فنحن نقرأ في هذا الصدد قوله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:88-89)، ونقرأ أيضاً قوله عز وجل: {إذ جاء ربه بقلب سليم} (الصافات:84). فالآية الأولى ترشد إلى أن الإنسان لا ينفعه إلا عمله فحسب. أما الآية الثانية فتصف حال إبراهيم عليه السلام مع ربه.    

ونحن نذكر بداية المراد بـ (القلب السليم)، ثم ننعطف على بيان دلالة هذا التعبير القرآني، وحقيقة المراد منه.

فـ (السليم) من حيث المعنى اللغوي مصدر الفعل (سلم)، أي: القلب الخالي من المرض، ومن أي عارض. أما من حيث المعنى الشرعي الخاص، فـ (القلب السليم) هو القلب الذي لا يعرف سوى الإسلام. وهذا اللفظ يشترك من حيث جذره اللغوي مع لفظ (الإسلام)، وليس يخفى ما لهذا من دلالة.

وقد وردت عن السلف أقوال متعددة في معنى (القلب السليم)، نذكر منها:

قول ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (القلب السليم): هو القلب الحييُّ، يشهد أن لا إله إلا الله.

وقال مجاهد: (القلب السليم): الذي لا شك فيه.

وقال قتادة: (القلب السليم): سليم من الشرك.

وقال ابن زيد: (القلب السليم): سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.

وقال الضحاك: (القلب السليم): هو الخالص.    

وقال ابن سيرين: (القلب السليم): الذي يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وقال ابن المسيب: (القلب السليم): هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى في وصف المنافقين: {في قلوبهم مرض} (البقرة:10).

وقال أبو عثمان النيسابوري: (القلب السليم) هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة.

فإذا يممنا وجهنا شطر المفسرين، وجدنا شيخهم الطبري يذكر أن المراد من (القلب السليم): سلامة القلب من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. أما الرازي فيرى أن المراد من (القلب السليم) سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. ويقرر ابن عاشور أن المراد من (القلب السليم): الخلوص من عقائد الشرك، مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي. بينما يذكر الشيخ السعدي أن المراد من (القلب السليم): القلب الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب. وكل هذه الأقوال متقاربة ومتعاضدة يشرح بعضها بعضاً.

والمهم هنا - كما قال أهل العلم - أن الإنسان لا يكون صاحب قلب سليم إلا أن يتحلى بأخلاق القرآن الكريم؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، كما ورد في الحديث. فمن صفات القلب السليم أن يكون عامراً بالإسلام، ومتزيناً بخلق القرآن، فإن لم يكن كذلك، فلا يصح أن يوصف بكونه قلباً سليماً.

ومما يحسن أن يقال هنا: إن (القلب السليم) هو القلب السالم عن كل ما يضر الناس، وقد ورد في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.

فتحصل من مجموع ما تقدم: أن قلب المؤمن يجب أن يكون سالماً من الكفر ومن الشرك ومن الشك ومن الريبة والتردد والفراغ. وأن القلب المملوء كفراً مهما تصرف صاحبه بشكل إنساني فلن يكون قلباً سليماً؛ لأن القلب الخالي من الإيمان لا يعرف طريق الخير، وإن عرفه فهو يسلكه لمصلحة مرجوة، ظاهرة أو باطنة. فبدون الإيمان تكون صور الخير والجمال والفضيلة: إما كذباً، وإما شيئاً مؤقتاً، أي فهو خال من أي قيمة حقيقية.

وقد نسمع من بعض الناس يقولون: "إن قلبي نظيف؛ لأنني أحب الناس كثيراً، وأسعى إلى مساعدتهم"، وهذا عند التحقيق والتدقيق كلام لا معنى له؛ ذلك أن القلب الذي سكنه الإلحاد والإنكار، وعشعش فيه أنى يكون قلباً سالماً وسليماً؟!

ثم ها هنا بعض فوائد حول (القلب السليم) نذكرها تكميلاً للفائدة:  

الفائدة الأولى: أن قوله تعالى: {بقلب سليم} جمع جوامع كمال النفس، وهذه الجوامع مصدر محامد الأعمال. وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه. ذكرها قال ابن عاشور.

الفائدة الثانية: أنه يلزم من سلامة القلب من الشرك والشك...اتصافه بأضدادها، من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعاً لما جاء عن الله. ذكرها الشيخ السعدي.

الفائدة الثالثة: أن القرآن الكريم وضع (القلب السليم) مقابل المال والبنين، ولهذا دلالته؛ وذلك أن كثيراً ما يكون المال وكذلك البنون حاجزاً بين الإنسان وبين سلوك سبيل الرشاد، وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى محذراً ومنبهاً: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا} (الكهف:46). وقال تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} (الأنفال:28).

وختام القول: إن الاهتمام بالقلب أمر غاية في الأهمية، وقد غفل عنه كثير من الناس، وليس يخفى أن التوجه إلى هذا القلب إصلاحاً ومراقبة وتصحيحاً، كي يغدو قلباً سالماً وسليماً، أمر مما لا ينبغي أن يُغفل عنه.  








المصدر




[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #10 في: آذار 20, 2012, 12:05:48 مسائاً





سيجعل لهم الرحمن ودا



قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} (مريم:96).




تضمن القرآن الكريم العديد من البشارات والمكرمات لعباد الله المؤمنين، سواء في الدنيا، أو في الآخرة، وما ذلك إلا لالتزامهم شرع الله قولاً وعملاً، وانضباطهم بمنهج الإسلام توجهاً ومقصداً.

ومن الآيات التي تضمنت بشارة للمؤمنين العاملين ما جاء في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} (مريم:96). فالآية صريحة في بشارة المؤمنين بأن الله سيجعل لهم مودة، بيد أنها غير صريحة في مكان هذا (الجعل)، هل هو في الدنيا، أو في الآخرة؟ وهل هذه المودة حاصلة لهم من قبل الله أو من قبل الآخرين؟
 
وقبل أن نجيب عن هذين السؤالين، نقف وقفة سريعة مع صدر الآية، وهو قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.
 
إن الفعل في اللغة العربية يدل التجدد والاستمرار، و{آمنوا} فعل، فالمؤمنون بعد إيمانهم لا يعرفون الركود ولا الجمود، بل يجددون أنفسهم وإيمانهم على الدوام، بكشف جديد، وفكر متجدد، فيتوجهون على الدوام إلى آفاق جديدة، وإلى مواقع متقدمة، وإلى ساحات تتطلع إلى الخير الذي يحملونه.
 
ولا يكتفي المؤمنون بهذا الفعل القلبي والفكري، بل يعملون {وعملوا} ما يوافق إيمانهم، وما يقتضيه ذلك الإيمان، فهم -بحسب ما يدل عليه الفعل- يقضون أعمارهم في عمل الصالحات، وفعل الخيرات.
 
فهؤلاء المؤمنون والعاملون ما يرضاه وما يريده ربهم منهم سيفوزون أولاً بحب الله، ثم بحب الناس، وهل بعد هذا الفوز من فوز؟
 
بعد هذه الوقفة السريعة لمدلول فعل (الإيمان)، ومدلول فعل (العمل)، ننعطف تالياً لبيان المراد من قوله تعالى: {سيجعل لهم الرحمن ودا}، وهو موضوع الحديث.
 
فنقول أولاً: إن (الود) في الآية هو الحب، ومنه المودة التي هي المحبة.
 
وثانياً: إن أقوال المفسرين تفاوتت في تحديد المراد من (الجعل) في قوله سبحانه: {سيجعل}، وحاصل أقوالهم ثلاثة:
 
الأول: أنه سبحانه يغرس لعباده المؤمنين، الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله عز وجل- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة. وأن هذه المحبة حاصلة لهم في الدنيا. وهذا هو قول أغلب المفسرين، ويستدلون له بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله العبد، نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) رواه البخاري.
 
والمشهور هنا من أقوال المفسرين، أن هذه المودة والمحبة من الآخرين لهم، إنما تحصل من غير تودد منهم، ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف، أو غير ذلك، وإنما هو ابتداء منه تعالى؛ تخصيصاً لأوليائه بهذه الكرامة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة؛ إعظاماً لهم، وإجلالاً لمكانهم.    
 
الثاني: أن يحصل لهم (الود) يوم القيامة، فيحببهم الله إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم، وينشر من ديوان أعمالهم، وأنهم يكونون يوم القيامة بمقام المودة والتبجيل. فالمعنى: سيجعل لهم الرحمن أحباء من الملائكة، كما قال تعالى: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (فصلت:31)، وأيضاً يجعل بين أنفسهم أحباء، كما قال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} (الأعراف:43).
 
وهذا المعنى للآية ذهب إليه ابن عاشور، مستدلاً له بسياق الآية؛ وذلك أن الآيات السابقة لهذه الآية تفيد أن المشركين آتون يوم القيامة مفردين، وذلك مشعر بأنهم يحتاجون إلى من يعينهم مما هم فيه ويخرجهم مما يعانونه، وأنهم مغضوب عليهم، ثم أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين الصالحين، وأنهم على العكس من حال المشركين.  
 
الثالث: فُسرت الآية أيضاً، بأن الله سيؤتي المؤمنين محبوبهم ومرادهم، ومنه محبته سبحانه، فـ (الجعل) في الآية، كالإلقاء في قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} (طه:39)، فيكون معنى (جعل الود) بحسب هذا القول: سيعطيهم الرحمن ودهم، أي: محبوبهم في الجنة؛ إذ الود والمحبة سواء، يقال: آتيت فلاناً محبته، وجعل لهم ما يحبون، وجعلت له وده، ومن كلامهم: وددت أن لو كان كذا، أي: أحببت.
 
وهذا التفاوت في تفسير المراد من قوله سبحانه: {سيجعل لهم الرحمن ودا} سيجعل لهم الرحمن ودالا يترتب عليه نتائج عملية تذكر، بل الظاهر من مجموع هذه الأقوال أن المنضبطين بأحكام الشرع، والعاملين بأوامره ونواهيه، فإن الله راض عنهم في الدنيا، بتوفيقهم في أعمالهم، وتسديدهم في مسيرتهم، ثم هو سبحانه يوم القيامة يتوج هذا الرضا الدنيوي بالرضا الأخروي، فيجعل لهم مودة ومحبة في قلوب عباده المؤمنين، وأوليائه الصالحين.
 











[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #11 في: آذار 21, 2012, 12:51:12 مسائاً






لآيات لكل صبار شكور





هناك أربع آيات في القرآن الكريم خُتمت بقوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}، الأولى: قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (إبراهيم:5)، والثانية: قوله سبحانه: {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (لقمان:31)، والثالثة: قوله تبارك وتعالى: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (سبأ:19)، والرابعة: قوله عز وجل: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} (الشورى:33).

والملاحظة الأولى التي نسجلها قبل تحليل قوله تعالى: {صبار شكور}، أن ثلاث آيات من هذه الآيات الأربع، جاءت في سياق النعم التي أنعم الله بها على عباده، في حين أن الآية الرابعة - وهي آية سورة سبأ - جاءت في سياق الحديث عن قوم سبأ الذين كفروا بأنعم الله، وجحدوا فضله.

والملاحظة الثانية التي تستدعي نفسها في هذا المقام، هي أن هاتين الصفتين: {صبار شكور}، من صيغ المبالغة، التي تفيد المبالغة في فعل شيء ما، كقولنا: فلان حماد، أي: كثير الحمد.
 
والملاحظة الثالثة هنا، روي عن عون بن عبد الله، قوله: فكم من مُنْعَمٍ عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر. وقال قطرب - وهو أحد أئمة اللغة -: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.












[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #12 في: آذار 22, 2012, 11:25:21 صباحاً








يا قوم اتبعوا المرسلين



قال تعالى : {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين} (يس:20).





مسيرة الدعوة إلى الله بدأت مع مطلع تاريخ النبوات، واستمرت عبر الزمان والمكان لا تلوي على أحدٍ، وستبقى قائمة سائرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وليكون الدين كله الله.

ضمن سياق الجهود الدعوية المباركة، يحدثنا القرآن الكريم عن رجل داع إلى الله، يصفه بأنه جاء من أقصى المدينة يسعى داعياً قومه إلى صراط مستقيم، ومنذراً إياهم من عذاب يوم أليم.
 
يقول سبحانه مخبراً خبر هذا الساعي من أقصى المدينة، والداعي إلى الله على نور وبصيرة: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين} (يس:20).
 
وردت هذه الآية الكريمة في سياق آيات تتحدث عن ثلاثة رسل بعثهم الله إلى أهل قرية، يدعونهم إلى عبادة الله، فلم يستجب لهم أهل تلك القرية، وهموا بقتلهم، فجاء ذاك الرجل الداعي إلى الله؛ ليقوم بواجبه الدعوي، ويمنع قومه من إدخال الأذى على هؤلاء الرسل.
 
روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى؛ لينصرهم من قومه، وكان يعمل في صناعة الحبال، وكان رجلاً سقيماً، قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم النظرة. فحض قومه على اتباع الرسل، الذين أتوهم لإبلاغ رسالة ربهم فيما يدعونهم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له. فأنكر قومه عليه تلك الدعوة، ولم يلتفوا إليه، وظلوا في طغيانهم يعمهون.  
 
وليس يعنينا كثيراً هنا اسم ذلك الرجل الساعي - وقد ذكروا أن اسمه حبيب النجار -؛ إذ لا يترتب على معرفة اسمه حكم شرعي، فالعلم باسمه والجهل به يستويان.
 
وأول ما ينبغي ملاحظته هنا، أن القران الكريم عبر عن (القرية) بلفظ (المدينة)؛ إذ قال في بداية الخبر: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} (يس:13)، ثم قال بعدُ: {وجاء من أقصى المدينة}، ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذا الآتي هو من أهل تلك القرية، بدليل قوله سبحانه: {قال يا قوم اتبعوا المرسلين}.
 
وثاني ما ينبغي ملاحظته في شأن هذا الخبر القرآني، أن المكان الذي قصده الرسل الثلاثة لتبليغ دعوة الله، لم يكن مكاناً صحراويًّا، بل كان مكاناً حضريًّا، ما يعني أن الرسل عليهم السلام كانوا يولون عناية بالأماكن التي تشهد حضوراً بشريًّا، وحراكاً اجتماعيًّا، ونشاطاً اقتصاديًّا.
وثالث ما ينبغي ملاحظته في هذا الخصوص -وهو الأهم- التعبير القرآني {أقصى المدينة}، فقد تناول المفسرون هذا التعبير بالتحليل والتفسير، وذهبوا في شأنه مذاهب:
 
فقال بعضهم: إن {أقصى المدينة} يعني: الطرف الآخر من المدينة، وأن هذا الشخص كان يسكن فيه. وهذا التفسير يلحظ الجانب المكاني، ويغض الطرف عن غيره من الجوانب الثقافية والاجتماعية.  
 
وقال آخرون: إن {أقصى المدينة} يعني: الطبقة الراقية من المدينة، أي من طبقة أشراف المدينة. وهذا يعني أن هذا الآتي {من أقصى المدينة} كان من علية القوم، وكان يسكن في ضاحية المدينة، ومن الطبقة الغنية التي لا توجد لها علاقة حميمة مع غالب أهل المدينة. وهذا التفسير يلحظ الجانب الاجتماعي، ويرشد إلى أن هذا الآتي كان من طبقة اجتماعية لها نوع تميز.
 
وذهب فريق ثالث إلى أن هذا التعبير يشير إلى شخص بعيد من ناحية طراز التفكير والفهم عن أفكار قومه، وأنه كان ذا مستوى أرفع منهم. وكلام هذا الساعي وقوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} (يس:20-21)، يدل على هذا الفرق في مستوى التفكير. وهذا التفسير يلحظ الجانب الفكري، ما يعني أن هذا الساعي كان يتمتع بفكر يخالف ما عليه قومه.  
 
وبحسب التفسيرين الثاني والثالث فنحن أمام شخص له مكانته الاجتماعية، وتفكيره المستقل عن تفكير أهل المدينة، وهو شخص -بحسب الآية- يسارع في الخيرات، ويستشيره أهل المدنية كلما حزبهم أمر، ويطوي بين جوانحه حب الخير لقومه، ويتمنى أن يصلوا إلى السعادة التي وصل إليها. وقد تبنى في دعوته لقومه أسلوب الأنبياء والمرسلين، حيث حاول أن يشرح لهم طريق الهداية، ويهديهم سبيل الرشاد، كل ذلك برفق وحكمة. ومع هذا فقد همَّ قومه بقتله، كما هو شأن الجهلاء، الذين يعيشون في طغيانهم يعمهون، ويغمضون أعينهم عن الحق المبين.
 
وليس يخفى، أن هذا الطراز من التفكير السديد، والسلوك السوي هو طراز المخبتين في كل عهد، والمخلصين في كل زمان. فها هو ذا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم مع ما أصابه يوم أُحُدٍ، من كَسْرٍ لرباعيته (أسنانه)، وسيلٍ للدماء من بدنه، نجده يدعو إلى الله بكل قوة وعزيمة، وهو لا يفتأ يقول: (اللهم اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون).
 
ويذكر القرآن الكريم حادثة أخرى تصب في هذا المنحى، جرت في عهد موسى عليه السلام. وتحمل تلك الحادثة وهذه الحادثة خطوطاً عامة مشتركة. في تلك الحادثة نرى فرداً من قوم فرعون، -ذلك الطاغوت الذي كان متحكماً في رقاب العباد، وناهباً لخيرات البلاد- عندما علم نية فرعون على قتل موسى، لم يتمالك نفسه، بل أنكر على فرعون وأتباعه فِعْلَتَهم تلك أشد النكير، وخاطبهم بقوله: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} (غافر:28).
 
وفي ظل ذلك الوسط الفرعوني الطاغوتي لم يكن من السهل لشخص من عامة الشعب الوقوف ضد قتل موسى واغتياله، ومع هذا فإن قوة الإيمان دفعت ذلك المؤمن للوقوف في وجه الطاغوت والطغيان، ونطق بكلمة الحق، غير آبهٍ بسوء العاقبة.
 
وفي تاريخ السيرة النبوية نرى مثل هذا الموقف عند أبي بكر رضي الله عنه؛ ففي أثناء قيام المشركين بتعذيب المسلمين حتى الموت، كان أبو بكر الصديق -وكان من عِلية القوم- يقول العبارة نفسها التي قالها مؤمن آل فرعون: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله}.
   
والحوادث التي يبينها القرآن الكريم تتكرر على مر الزمن، واختلاف المكان، تحت صور مختلفة، ولكن طبيعتها واحدة، فنحن لا نعدم على مر تاريخ الإسلام القديم والحديث والمعاصر أمثال هذه المواقف، ما يعني أن هذه السنة الدعوية التي أخبرت عنها الآية الكريمة جارية بنظائرها وبأمثالها حتى يوم القيامة، لا تتغير ولا تتبدل ما دامت السموات والأرض. ومن تتبع تاريخ الرسل والدعاة يجد سجلاً حافلاً في هذا الشأن منذ فجر الرسالة والنبوة وحتى يوم الناس هذا، وستبقى هذه السنة كذلك إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
 
والذي ينبغي على المسلم الاهتمام به هنا -استرشاداً بهذه الآية الكريمة- الحرص على الدعوة إلى الله على بصيرة، وفي كل مناسبة، وأن يجعل ذلك منهجاً ثابتاً في حياته، فيعش لدعوته، ويموت من أجلها، يصدع بالحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، ويدعو إلى الخير، ولا يعول على حقد حاقد، ويمضي قُدماً، لا يلوي على الصعاب التي تواجهه، ويعلم علم اليقين، أن العاقبة للعاملين والمخلصين والمتقين.  
 







[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #13 في: آذار 23, 2012, 02:56:03 مسائاً







ألزمناه طائره في عنقه









قال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء:13)





من العادات التي تعارف عليها الناس عبر العصور والأيام، أن الذين يحكم عليهم بالإعدام، يعلق على صدورهم ما يشير إلى جريمتهم التي ارتكبوها واقترفوها؛ ليتعظ الناس بذلك، ويرعووا عن الإقدام على مثل فعلهم.

وقد صور لنا القرآن الكريم مشهداً من مشاهد يوم القيامة قريباً من المشهد الذي صدَّرنا به الحديث، حيث قال تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} (الإسراء:13). فما هو المراد من (الطائر)، وما هو المراد من (الكتاب المنشور)، وما هو المعنى العام لهذه الآية؟ هذا ما نعرفه في الفقرات التالية:

الطائر

يذكر المفسرون قولين في المراد بـ (الطائر) في هذه الآية ونحوها من الآيات:

القول الأول: أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر، اعتبروا أحوال الطير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إثارته، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً، أو صاعداً إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها. ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والشقاوة. فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بـ (الطائر) تسمية للشيء باسم لازمه. ونظيره قوله تعالى: {قالوا إنا تطيرنا بكم} (يس:18) إلى قوله: {قالوا طائركم معكم} (يس:19)، فقوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}، معناه بحسب هذا القول: كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه. قال ابن كثير هنا: "المقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً".

القول الثاني: (الطائر) عند العرب (الحظ)، وهو الذي تسميه الفُرْس (البخت)، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى (الطائر) ما طار له من خير وشر؛ إذ التحقيق في هذا الباب، أنه تعالى خلق الخلق، وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم، والعمر والرزق، والسعادة والشقاوة. والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر، وأن ينحرف عنه، بل لا بد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية، فتلك الأشياء المقدورة له، كأنها تطير إليه، وتصير إليه؛ فبهذا المعنى، لا يبعد أن يُعبَّر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ (الطائر)، ويكون قوله: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى، ومضى في علمه حصوله، فهو لازم له، واصل إليه غير منحرف عنه.

قال الأزهري: الأصل في هذا، أن الله سبحانه لما خلق آدم، علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعاً، وشقاوة من علمه عاصياً، فطار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه؛ وذلك قوله: {ألزمناه}.

وبعد أن ذكر الشيخ الشنقيطي حاصل هذين القولين، قال: "والقولان متلازمان؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة". ثم استدل لكلا القولين بآيات من القرآن؛ أما القول الأول -وهو كون المراد بـ (الطائر) عمل الإنسان- فاستدل له بالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جداً، كقوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} (النساء:123). وأما القول الثاني -وهو كون المراد بـ (الطائر) نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة-، فاستدل له بالآيات الدالة على ذلك أيضاً، كقوله سبحانه: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} (التغابن:2).

وعلى الجملة، فالمراد من قوله سبحانه: {ألزمناه طائره في عنقه}، كما قال ابن عاشور: أن كل إنسان يعامل بعمله من خير أو شر، لا يُنقص له منه شيء. أو كما قال السعدي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازماً له، لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره، ولا يحاسب غيره بعمله.

الكتاب المنشور

المراد بـ (الكتاب المنشور)، الكتاب الذي دُوِّنت فيه أعمال العبد، صغيرها وكبيرها، خيرها وشرها، حسنها وسيئها. قال ابن كثير: "نجمع له عمله كله في كتاب، يُعطاه يوم القيامة، إما بيمينه، إن كان سعيداً، أو بشماله إن كان شقياً". وقوله: {منشورا} أي: مفتوحاً، يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره، على حد قوله سبحانه: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} (القيامة:13). فـ (النشر) في الآية -كما قال ابن عاشور- كناية عن سرعة اطلاعه على جميع ما عمله، بحيث إن الكتاب يحضر من قبل وصول صاحبه مفتوحاً للمطالعة. ونشر الكتاب إظهاره ليقرأ، قال تعالى: {وإذا الصحف نشرت} (التكوير:10).

وقفات مع الآية

الأولى: قوله سبحانه: {ألزمناه طائره في عنقه}، قال الرازي: (العنق) كناية عن اللزوم، كما يقال: جعلت هذا في عنقك، أي: قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلدتك كذا، وطوقتك كذا، أي: صرفته إليك، وألزمته إياك، ومنه قلده السلطان كذا، أي: صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق، ومنه يقال: فلان يقلد فلاناً، أي، جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه.

قال أهل العلم: وإنما خص (العنق) من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى؛ لأن الذي يكون عليه: إما أن يكون خيراً يزينه، أو شراً يشينه، وما يزين يكون كالطوق والحلي، والذي يشين فهو كالغل والقيد، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته.

وقال ابن كثير: إنما ذكر (العنق)؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه، فلا محيد له عنه.

الثانية: قال بعض أهل العلم المتقدمين: هذه الآية من أقوى الأدلة على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان، وحكم عليه به في سابق علمه، فهو واجب الوقوع، ممتنع العدم. فكل ما كتبه سبحانه على الإنسان واقع لا يتأخر، ولا يتخلف. ولا يلزم عن هذا أن يكون الإنسان مجبوراً على عمله، بل ما عمله الإنسان من كسب يده، وإنما هو سابق علم الله في هذا العبد.





الثالثة: قال بعض الصلحاء: هذا كتاب، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على حفظتك، ما زيد فيه ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئاً، يكون فيه الشاهد منك عليك.











[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #14 في: آذار 24, 2012, 01:51:57 مسائاً




لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل




قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (النساء:29).




تضمن القرآن الكريم عدداً من الآيات التي تؤسس لأصول التعامل الاقتصادي بين الناس، وتنظم حركة المجتمع اقتصادياً؛ سعياً لبناء مجتمع آمن مطمئن مستقر، ما يعود بالخير والنفع على الناس في الدنيا قبل الآخرة.  
 

ومن الآيات الواردة في هذا السبيل، قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (النساء:29).
 

في هذه الآية الكريمة ينهى سبحانه عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بغير وجه مشروع، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف المعاملات المالية، التي لا تتفق وأصول الشرع الحنيف.
 

وعلى عادة الشرع في أحكامه وتشريعاته، فإنه لا يسد باباً للحرام، إلا ويفتح مقابله باباً للحلال، فلما نهى سبحانه عباده عن الكسب الحرام غير المشروع، أباح لهم طريقاً آخر للكسب الحلال المشروع، وهو طريق التجارة، ونحوها من الطرق التي أقرها الشرع الحنيف للتعامل المالي بين عباده، وبيَّن سبحانه في ختام الآية أنه إنما حرَّم عليهم ما حرَّم، وأحل لهم ما أحل من باب الرحمة بهم، هذه الرحمة التي تشمل سعادتهم في الدنيا والآخرة.
 

بعد بيان المعنى الإجمالي للآية، نقف بضع وقفات، لكشف المزيد من المراد من هذه الآية:
 

الوقفة الأولى: ليس المراد من {لا تأكلوا} الأكل خاصة؛ لأن غير الأكل من التصرفات، كالأكل في هذا الباب، لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال إنما هو الأكل، قالوا لمن ينفق ماله: إنه أكله، ووقع التعبير بـ (الأكل) جرياً على ما هو متعارف عليه.
 

وقد استعمل القرآن هذا التعبير في مواضع، من ذلك قوله سبحانه: {الذين يأكلون الربا} (البقرة:275)، وقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} (النساء:10)، وهذا من باب المجاز الذي صار كالحقيقة. وعلى هذا، يكون المراد من (الأكل) بحسب التعبير القرآني سائر التصرفات المالية غير المشروعة، ويكون المعنى في الآية التي معنا: لا يتعدى بعضكم على أموال بعض.
 

الوقفة الثانية: قوله سبحانه: {أموالكم}، يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال النفس بالباطل، كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم}، فهذا التعبير يدل على النهي عن قتل الغير بغير حق، وعن قتل النفس أيضاً. و(أكل) مال النفس بالباطل، إنما يكون بإنفاقه في معاصي الله، وتبذيره على وجه البطر والإسراف، وفي كل ما لا يرضي الله تعالى.  
 

الوقفة الثالثة: يفيد قوله سبحانه: {ولا تقتلوا أنفسكم}، أن من سلك طرقاً للكسب غير مشروعة، كالربا، والقمار، والرشوة، والغصب، وما شابه ذلك من طرق الحرام، فإنه يكون بذلك قد قتل نفسه معنوياً، وقضى عليها اجتماعياً.  
 

الوقفة الرابعة: تخصيص (التجارة) بالذكر من بين سائر أسباب الكسب؛ لكونها أغلب وقوعاً، وأوفق لذوي المروءات. فكما يحل الكسب المستفاد من التجارة، فأيضاً يحل الكسب المستفاد من أنواع المكاسب الأخرى، كالزراعة والصناعة، ونحو ذلك من الأنشطة الاقتصادية التي لا تخالف أصول التعامل الشرعي.
 

الوقفة الخامسة: قوله سبحانه: {عن تراض}، هذا التعبير يفيد أن الأصل في إبرام المعاملات الاقتصادية هو التراضي، فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة، أو طابت نفس المتبرع بتبرع، ثبت حلِّه بدلالة القرآن، بيد أن هذا التراضي ليس مطلقاً، بل ينبغي أن يكون مقيداً بضوابط الشرع. فإذا تراضى المتعاقدان على تعامل حرمه الشرع، كالربا وبيع الخمر ونحوهما، كان العقد باطلاً شرعاً، ولا عبرة بتراضيهما.

 الوقفة السادسة: إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين {لا تأكلوا أموالكم}، {ولا تقتلوا أنفسكم} فيه دلالة - كما قال السعدي - على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية والدنيوية.
 

الوقفة السابعة: هذه الآية - كما قال ابن عاشور - أصل عظيم في حرمة الأموال وصيانتها، وقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع، (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) رواه الدار قطني. وهي تفيد أن الناس إن دخلوا في أي معاملات محرمة وباطلة وظالمة، وقبلوا أي مبدأ مستند إلى هذا النوع من التعامل، كالرأسمالية، ونحوها، فإن ذلك سيؤدي إلى اختلال حركة الاقتصاد في المجتمع، وفتح الباب أمام الظلمة وعُبَّاد المال لتولي زمام الأمور، ما ينتج عنه أزمات وصراعات داخلية، تودي باستقرار المجتمع.
 

الوقفة الثامنة: ترشد هذه الآية - كما ذكر بعض أهل العلم - إلى أن ترك الكسب المشروع بدعوى الزهد والتقشف وانتظار رزق السماء، يجر الأمة إلى الضعف والهلاك.
وأخيراً وليس آخر، فإن الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم بأسره منذ عام، وما تزال تداعياتها ومضاعفاتها جاثمة على مجمل النشاط الاقتصادي العالمي أكبرُ شاهد على أن النأي عن المنهج الإلهي يؤدي إلى نكبات وعواقب لا تحمد عقباها.
 





[/COLOR][/SIZE]