في رحـــــــاب آية ........ (متجدد)

المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #15 في: آذار 26, 2012, 04:57:41 مسائاً





وكذلك جعلناكم أمة وسطاً







قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (البقرة:143)






من الآيات التي أثنت على هذه الأمة، ورفعت من شأنها بين الأمم قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (البقرة:143)، فقد وصفت الآية الكريمة هذه الأمة بـ (الوسطية)، فما هو المراد بـ (الوسطية)؟

(الأمة) في اللغة: هي القرن من الناس، والصنف منهم وغيرهم. و(الأمة) في الاصطلاح: عبارة عن جماعة من الناس، يرتبط أفرادها بروابط معينة، مثل: اللغة، أو التاريخ، أو الجنس، أو الدين...من ناحية، والمصالح المشتركة، والغايات الواحدة من ناحية أخرى.

و(الوسط) في كلام العرب: الخيار، يقال: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه. ويقال: هو وسيط الحسب في قومه، إذا كان أوسطهم نسباً، وأرفعهم مجداً. ووسط الوادي: خير موضع فيه، وأكثره كلأ وماء.

وقد اختلف المفسرون في تحديد المراد بـ (الوسط) في الآية:

فقال بعضهم: المراد بـ (الوسط): خيار الناس، واستأنسوا لذلك بقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران:110)، قال ابن كثير: و(الوسط) ها هنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم (وسطاً) في قومه، أي: أشرفهم نسباً. ومنه (الصلاة الوسطى)، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها. ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين} (الحج:78).

ولسائل أن يسأل: لِمَ اختير لفظ (الوسط) على لفظ (الخيار)، مع أن هذا هو المقصود؟ فالجواب من وجهين:  

أحدهما: التمهيد للتعليل الآتي، وهو قوله سبحانه: {لتكونوا شهداء على الناس}، فإن الشاهد على الشيء، لا بد أن يكون عارفاً به، ومن كان متوسطاً بين شيئين، فإنه يرى أحدهما من جانب، وثانيهما من الجانب الآخر، وأما من كان في أحد الطرفين، فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر، ولا حال الوسط أيضاً.

ثانيهما: أن في لفظ (الوسط) إشعاراً بالسببية، أي: أن المسلمين خيار وعدول; لأنهم (وسط)، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.

وقال بعضهم: المراد بـ (الوسط) هنا: العدل، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون} (القلم:28)، أي: أعدلهم. واستدلوا بما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} قال: (الوسط) العدل. وهذا تفسير للآية بالحديث، فينبغي أن لا يُعدل عنه. وقال زهير:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم   إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

أي: هم أهل عدل، يقبل الناس بحكمهم في النوائب والملمات.

وقال بعضهم المراد بـ (الوسط) هنا: التوسط في الدين بين المُفْرِط والمُفَرِّط، والغالي والمقصر في الأشياء. وهذا القول اختيار الإمام الطبري، قال رحمه الله: وأنا أرى أن (الوسط) في هذا الموضع، هو(الوسط) الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل (وسط الدار)...إنما وصفهم بأنهم (وسط)؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

وإلى هذا القول ذهب السعدي حيث قال: فجعل الله هذه الأمة (وسطاً) في كل أمور الدين، (وسطاً) في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، و(وسطاً) في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.

والحق، أن هذه الأقوال الثلاثة لا تعارض بينها، بل هي أقوال متداخلة، ويُكَمِّل بعضها بعضاً، قال الرازي: واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية. وقال ابن حجر معقباً على ما اختاره الطبري: لا يلزم من كون (الوسط) في الآية صالحاً لمعنى التوسط، أن لا يكون أريد به معناه الآخر، كما نص عليه الحديث - يقصد معنى العدل - فلا مغايرة بين الحديث، وبين ما دل عليه معنى الآية. وقد قال ابن عاشور بعد أن ذكر القول الأول والثاني: والجمع في التفسيرين هو الوجه.

ثم ها هنا حديث متعلق بهذه الآية من المناسب ذكره، وقد رواه البخاري عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، {ويكون الرسول عليكم شهيدا}، فذلك قوله جل ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، والوسط: العدل).

وعلى الجملة، فإن الآية ثناء على المسلمين، بأن الله قد ادخر لهم الفضل، وجعلهم {وسطا} بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بياناً، جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم.

ثم إن بعض المفسرين المعاصرين ذهب في معنى (الوسطية) مذهباً أبعد مما ذكره المتقدمون، فذكر أن (وسطية) هذه الأمة (وسطية) شاملة، وليست قاصرة على (وسطية) التشريع فحسب، بل هي (وسطية) في الاعتقاد والتصور، لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.

وهي (وسطية) في التفكير والشعور، لا تجمد على ما علمت، وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك، إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول؛ ثم تنظر في كل نَتاج للفكر والتجريب؛ وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن، أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين.

وهي (وسطية) في التنظيم والتنسيق، لا تدع الحياة كلها للمشاعر، والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان، ولكن مزاج من هذا وذاك.

وهي (وسطية) في الارتباطات والعلاقات، لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة؛ ولا تطلقه كذلك فرداً أثراً جشعاً، لا همَّ له إلا ذاته. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق.

وهي (وسطية) في المكان؛ إذ ما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة، وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.

وهي (وسطية) في الزمان، تُنهي عهد طفولة البشرية من قبلها؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها. وتقف في الوسط، تنفض عن البشرية ما عَلِقَ بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى; وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء؛ وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.


ختاماً: فإن من المهم أن نعلم، أن ما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا، الذي وهبه الله لها، تخلِّيها عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخاذها مناهج مختلفة، بعيدة كل البعد عن المنهج الإلهي، والصبغة الربانية ، والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها. ولن يتحقق لهذه الأمة وصف (الوسط)، إلا إذا حافظت على العمل بهذا المنهج وهذه الصبغة ، وأما إذا انحرفت عن الجادة، فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليها، بأنها ليست من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية.






[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #16 في: آذار 28, 2012, 06:06:02 مسائاً






ومن أحسن من الله صبغة






قوله تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} (البقرة:138).




من الآيات الدالة على أفضلية دين الإسلام على غيره من الأديان، وأنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وأنه لا يقبل منهم ديناً سواه، ما جاء في قوله تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} (البقرة:138). نحاول في هذه السطور أن نستبين المراد من هذه الآية الكريمة.

قوله سبحانه: {صبغة الله} (الصبغ) في اللغة: تلوين الشيء بلون ما. يقال: صبغته أصبغه. و(الصبغة) هنا: اسم للماء الذي يغتسل به اليهود عنواناً على التوبة لمغفرة الذنوب. والأصل فيها عندهم الاغتسال الذي جاء فرضه في التوراة على الكاهن، إذا أراد تقديم قربان كفارة عن الخطيئة عن نفسه، أو عن أهل بيته، والاغتسال الذي يغتسله الكاهن أيضاً في عيد الكفارة عن خطايا بني إسرائيل في كل عام. والنصارى إذا أرادوا أن ينصروا أطفالهم، جعلوهم في ماء زاعمين أن في ذلك تقديس لهم ، بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية.

وإطلاق (الصبغة) على ماء المعمودية، أو على الاغتسال به استعارة مبنية على تشبيه تخييلي؛ إذ تخيلوا أن التعميد يُكْسِب المعمَّد به صفة النصرانية، ويلونه بلونها، كما يلون الصبغ ثوباً مصبوغاً. وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة القوم وخُلُقهم.

والذي ذهب إليه جمهور المفسرين أن المراد بـ {صبغة الله} هو: دين الله. وهو الإسلام. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {صبغة الله}: دين الله. وهو مروي عن كثير من التابعين. فسمي (الدين) صبغة استعارة ومجازاً، من حيث ظهور أعماله وسَمْته على المتدين. وعليه فقوله سبحانه: {صبغة الله} ردٌّ على اليهود والنصارى معاً؛ أما اليهود فلأن الصبغة نشأت فيهم. وأما النصارى فلأنها سُنَّة مستمرة فيهم، ولما كانت المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير الماديات على عقائدهم، رد عليهم بأن صبغة الإسلام الاعتقاد والعمل، المشار إليهما بقوله: {قولوا آمنا بالله} إلى قوله: {ونحن له مسلمون} (البقرة:136)، أي: إن كان إيمانكم حاصلاً بصبغة القسيس، فإيماننا بصبغ الله وتلوينه، أي: تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه. فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة، علاقتها المشابهة، وهي مشابهة خفية، حسنها قصد المشاكلة.

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من قوله سبحانه: {صبغة الله}، أي: فطرة الله، كما قال تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} (الروم:30). روي هذا عن مجاهد وغيره. والمعنى على هذا القول: بل نتبع فطرة الله وملته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم، من قول الله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} (الأنعام:14)، بمعنى: خالق السماوات والأرض. قال الرازي: معنى هذا الوجه: أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، فهذه الآثار كالصبغة له، وكالسمة اللازمة.

والظاهر أنه لا فرق بين القولين؛ إذ إن دين الإسلام هو الفطرة، ولا يخالفها في شيء. قال القاضي الباقلاني: من حمل قوله: {صبغة الله} على الفطرة، فهو مقارب في المعنى لقول من يقول: هو دين الله؛ لأن الفطرة التي أمروا بها، هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضاً، لكن (الدين) أظهر؛ لأن المراد هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله: {قولوا آمنا بالله}، فكأنه تعالى قال: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا، كظهور حسن الصبغة. ثم قال الباقلاني: "وإذا حمُل الكلام على ما ذكرناه، لم يكن لقول من يقول: إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه".

وعلى كلا القولين، يكون المعنى: الزموا دين الله، وقوموا به قياماً تاماً، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعاً واختياراً ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومعالي الأمور.

أما قوله عز وجل: {ومن أحسن من الله صبغة}، فهو جواب لما قالته اليهود والنصارى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}، فأمر سبحانه نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم: بل اتبعوا ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصِبَغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشرك بالله، والضلال عن محجة هداه.

قال السعدي: "وإذا أردت أن تعرف نموذجاً، يبين لك الفرق بين صبغة الله، وبين غيرها من الصبغ، فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيماناً صحيحاً، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخُلُق كامل، ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفه: الصدق في قوله وفعله، والصبر والحلم، والعفة، والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيته، وخوفه، ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود، والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر بربه، وشَرَد عنه، وأقبل على غيره من المخلوقين، فاتصف بالصفات القبيحة، من الكفر، والشرك، والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم العفة، والإساءة إلى الخلق، في أقواله، وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده. فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه".

وقوله سبحانه: {ونحن له عابدون} بيان لهذه (الصبغة)، وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة؛ لأن (العبادة) اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال، الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك، حتى يشرعها الله على لسان رسوله. والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده في تلك الأعمال. ووَصَفَهم باسم الفاعل (عابدون) الدال على الثبوت والاستقرار؛ ليدل على اتصافهم بذلك، وكونه صار صبغة لهم ملازماً".

والحاصل: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه: {كونوا هودا أو نصارى}، أمره أن يقول لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وهذه الملة الحنيفية هي صبغة الله. {ونحن له عابدون}: يعني: نحن من ملة الخاضعين لله المستكينين له في اتباعنا ملة إبراهيم، ودينونتنا له بذلك، غير مستكبرين في اتباع أمره، والإقرار برسالة رسله، كما استكبرت اليهود والنصارى، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكباراً، وبغياً، وحسداً.






[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #17 في: آذار 29, 2012, 05:34:56 مسائاً






فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة





قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما} (النساء:24)





في سياق حديث القرآن الكريم عن المحرمات من النساء، جاء في آخر تلك المحرمات قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما} (النساء:24). وقد نُقل عن مجاهد قوله: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} إلى قوله: {فما استمتعتم به منهن}.

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة حكماً كان محل نظر واجتهاد في فهم المراد منه، وهو قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة}. ووقفتنا مخصصة للحديث عن المراد من هذا الجزء من الآية الكريمة.

معنى (الاستمتاع) لغة

(الاستمتاع) في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع، و(السين) و(التاء) فيه للمبالغة، وسمي الله (النكاح) استمتاعاً؛ لأنه منفعة دنيوية، وجميع منافع الدنيا متاع، قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (آل عمران:185)، يقال: استمتع الرجل بولده، ويقال فيمن مات في زمان شبابه: لم يتمتع بشبابه. قال تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} (الأحقاف:20)، يعني: تعجلتم الانتفاع بها.

المراد من (الاستمتاع) في الآية

ذكر المفسرون في المراد من (الاستمتاع) في الآية قولين:

أحدهما: أن المراد به (النكاح) الشرعي الصحيح، والمعنى: فما نكحتم من النساء فآتوهن أجورهن، أي: مهورهن. وهذا القول هو الأصوب في المراد بلفظ (الاستمتاع) في هذه الآية. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله. ويكون معنى الآية كقوله سبحانه: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (النساء:4). وقال ابن زيد: (الاستمتاع): النكاح، وما في القرآن إلا نكاح. إذا أخذتها، واستمتعت بها، فأعطها أجرها الصداق. فإن وضعت لك منه شيئاً، فهو لك سائغ.

الثاني: أن المراد بـ (الاستمتاع) هنا: اللذة والتمتع بالمرأة بغير النكاح المعهود. روى الطبري عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قال: قلت: بلى! قال: فما تقرأ فيها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى)؟ قلت: لا! لو قرأتها هكذا ما سألتك! قال: فإنها كذا. وفي رواية قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس: {فما استمتعتم به منهن}. قال ابن عباس: (إلى أجل مسمى). قال: قلت: ما أقرؤها كذلك! قال: والله لأنزلها الله كذلك! ثلاث مرات. وعن مجاهد، قال: {فما استمتعتم به منهن}، قال: يعني نكاح المتعة.

معنى نكاح المتعة

والمراد بـ (نكاح المتعة): أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين، فيجامعها. وإن شئت قل: هو تعاقد رجل وامرأة على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل، ارتفعت العصمة بينهما، وذهب كل منهما بسبيله. وعلى المرأة أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث.  

القول المعتمد في المراد من الآية

بعد أن ذكرالطبري القولين الواردين في معنى (الاستمتاع)، قال: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن؛ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وعقب الطبري على قراءة (إلى أجل مسمى) بقوله: وأما ما روي عن أُبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهما من قراءتهما: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى)، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يُلحق في كتاب الله تعالى شيئاً، لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه.

وهذا الذي رجحه شيخ المفسرين، هو الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم. قال ابن كثير في هذا الصدد: "وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نُسخ، ثم أبيح ثم نسخ، مرتين". والعمدة في ذلك ما ثبت في "الصحيحين"، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) متفق عليه.

وفي صحيح مسلم عن سبرة بن معبد الجهني: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً)، وفي رواية أخرى لـ مسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، قال أبو داود: هذا أصح ما روي في ذلك، أي أن التحريم النهائي كان حجة الوداع.

وقالت عائشة رضي الله عنها: "تحريمها ونسخها في القرآن؛ وذلك في قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (المؤمنون:5-6)، وليست المتعة نكاحاً، ولا ملك يمين".

وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى، رحم بها عباده، ولولا نَهْيُ عمرَ عنها، ما زنى إلا شقي).

وقال ابن العربي: "وأما متعة النساء، فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام، ثم حُرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك..وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها؛ فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب".

ونقل ابن حجر عن الحازمي قوله: "إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات، حتى حرمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد. وأما ما روي أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى نهى عنها عمر رضي الله عنه، فمحمول على أن الذي استمتع، لم يكن بلغه النسخ، ونَهْيُ عمرَ كان لإظهار ذلك، حيث شاعت المتعة ممن لم يبلغه النهي عنها. ومعنى (أنا محرمها) في كلامه إن صح، أي: مُظْهِرٌ تحريمها، لا منشئه، كما يزعم بعض من لا خلاق له".

وقال النووي: "الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر، ثم حُرِّمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح، ثم حرمت تحريماً مؤبداً. قال: ولا مانع من تكرير الإباحة".

وعلة إباحتها - كما ذكر ابن حجر - أنهم كانوا إذا غزوا، اشتدت عليهم العزبة، فأذن لهم في الاستمتاع، وكان النهي يتكرر في كل موطن بعد الإذن، فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة، لم يقع بعد ذلك إذن.

وقال الماوردي في "الحاوي": "في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان: أحدهما: أن التحريم تكرر؛ ليكون أظهر وأنشر، حتى يعلمه من لم يكن علمه؛ لأنه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها. والثاني: أنها أبيحت مراراً؛ ولهذا قال في المرة الأخيرة: (..وإن الله تبارك وتعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة..) رواه أحمد؛ إشارة إلى أن التحريم الماضي، كان مؤذناً بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا فإنه تحريم مؤبد لا تعقبه إباحة أصلاً". قال ابن حجر: وهذا الثاني هو المعتمد. وقد أفاض الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في بيان النسخ مفصلاً.

وقد ذكر ابن عاشور أن الروايات الواردة في شأن نكاح المتعة مضطربة اضطراباً كبيراً، وأن "الذي يُستخلص من مختلف الأخبار، أن المتعة أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، ونهى عنها مرتين، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرر ولكنه إناطة إباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنه نسخ. وقد ثبت أن الناس استمتعوا في زمن أبي بكر، وعمر، ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته".

هل الآية دالة على جواز نكاح المتعة؟

اعتمد القائلون بجواز نكاح المتعة بإطلاق على هذه الآية - إضافة إلى أحاديث أخر - فهل الآية دالة على ذلك بالفعل، أما أن سياقها لا يسمح بالقول بذلك؟ يرى ابن عاشور أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحاً بذلك، ولكنها صالحة لاندراج المتعة في عموم {ما استمتعتم}، فيُرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى الأخبار الواردة في ذلك. وقال الآلوسي: "وهذه الآية لا تدل على الحل، والقول بأنها نزلت في المتعة غلط، وتفسير البعض لها بذلك غير مقبول؛ لأن نظم القرآن الكريم يأباه".

وقال ابن خويزمنداد - وهو مالكي -: "ولا يجوز أن تُحْمَلَ الآية على جواز المتعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه؛ ولأن الله تعالى قال: {فانكحوهن بإذن أهلهن} (النساء:25)، ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك".

وقريب من هذا قول الرازي: "والذي يجب أن يُعتمد عليه، أن نقول: إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة، إنما الذي نقوله: إنها صارت منسوخة. وعلى هذا التقدير، فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة، لم يكن ذلك قادحاً في غرضنا. وهذا هو الجواب أيضاً عن تمسكهم بقراءة أُبيٍّ وابن عباس رضي الله عنهم، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها، لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع فيه، إنما الذي نقوله: إن النسخ طرأ عليه".

قول ابن عباس رضي الله عنهما في المتعة

قال الشوكاني: "وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ. وروي عنه أنه رجع عن ذلك عندما بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة، وتقوية ما قاله المجوّزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه".

وذكر الإمام الرازي أن المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ثلاثُ روايات:

أحدها: القول بالإباحة المطلقة، قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة: أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: هي متعة كما قال تعالى، قلت: هل لها عدة؟ قال: نعم، عدتها حيضة، قلت: هل يتوارثان؟ قال لا.

الثانية: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له.

الثالثة: أنه أقر بأنها صارت منسوخة. روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله سبحانه: {فما استمتعتم به منهن} قال: صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} (الطلاق:1). وروي أيضاً أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف. وقد تقدم قول ابن العربي أن الصحيح رجوعه عن القول بها.







[/SIZE][/COLOR]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #18 في: آذار 30, 2012, 04:03:35 مسائاً





والباقيات الصالحات خير







قوله سبحانه: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} (الكهف:41)





من عادة القرآن الكريم بين الحين والآخر، أن يزهِّد عباده في الحياة الدنيا وزينتها، ويدفع بهم إلى التطلع إلى رحاب الآخرة؛ وذلك أن العاقل يعمل لما هو باق ودائم، ويدع ما هو فان وزائل. والبعيد النظر يسعى لما هو خير وأبقى، ويزهد بما هو أقل وأدنى.

ومن الآيات التي قررت هذا المعنى قوله سبحانه: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} (الكهف:41). لنا مع هذه الآية الكريمة هذه الوقفات:

الوقفة الأولى: نزلت هذه الآية رداً على بعض المشركين، الذين كانوا يتباهون بأموالهم وبنيهم، ويحسبون أنهم بذلك يفضلون على المؤمنين. فأنزل الله سبحانه هذه الآية؛ ليبين أن ما افتخر به هؤلاء المشركون من المال والبنين إنما ذلك {زينة الحياة الدنيا} المحقرة، وأن مصير ذلك إنما هو إلى النفاد، فينبغي على العاقل أن لا يكترث بهذه المغريات.

الوقفة الثانية: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}، أخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا، فهو غرور غير باق، كالهشيم تذروه الرياح؛ إنما يبقى ما كان من زاد الآخرة. فقد كان يقال: لا تعقد قلبك مع المال؛ لأنه غُنْمٌ ذاهب، ولا مع النساء؛ لأنهن اليوم معك، وغداً مع غيرك، ولا مع السلطان؛ لأنه اليوم لك وغداً عليك. قال القرطبي: "إنما كان {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}؛ لأن في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوة ودفعاً، فصارا {زينة الحياة الدنيا}، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة، فلا تتبعوها نفوسكم".

وقال أبو حيان: "كل ما كان {زينة الحياة الدنيا} فهو سريع الانقضاء؛ فـ {المال والبنون} سريع الانقضاء، ومن بديهة العقل أن ما كان كذلك، يَقْبُح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه".

وثمة لفتة بلاغية ذكرها ابن عاشور هنا، قال: "وتقديم (المال) على (البنين) في الذكر؛ لأنه أسبق خطوراً لأذهان الناس؛ لأنه يرغب فيه الصغير والكبير، والشاب والشيخ، ومن له من الأولاد ما قد كفاه؛ ولذلك أيضاً قُدِّم في بيت طَرَفة:

فأصبحت ذا مال كثير    وطاف بي بنون كرام سادة لمسود".

الوقفة الثالثة: {والباقيات الصالحات }، ذكر المفسرون عدة أقوال في المراد من هذه الجملة من الآية:
فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الباقيات الصالحات): الصلوات الخمس.

وقال بعضهم: هي ذكر الله بالتسبيح، والتقديس، والتهليل، ونحو ذلك. روى الطبري عن الحارث مولى عثمان بن عفان، قال: قيل لـ عثمان: ما الباقيات الصالحات؟ قال: هن: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وروي هذا أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وعطاء، وآخرين. وهذا هو اختيار جمهور المفسرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (استكثروا من الباقيات الصالحات)، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: (التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، رواه مالك وابن حبان، وصححه الحاكم. وقال بعضهم: هي العمل بطاعة الله. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {والباقيات الصالحات}، قال: الأعمال الصالحة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وعن علي بن أبي طلحة، وابن عباس رضي الله عنهما، قالا: {والباقيات الصالحات}: هي ذكر الله، قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وروي عن ابن زيد، قال: {والباقيات الصالحات}: الأعمال الصالحة.

وقال بعضهم: هي الكلام الطيب. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {والباقيات الصالحات} قال: الكلام الطيب.

والحق، أن هذه الأقوال جميعها لا تعارض بينها، وهي متقاربة من حيث المعنى، ويكفيك في هذا، أن جميع الأقوال المذكورة في المراد من هذه العبارة، قد وردت فيها آثار عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقد رجح الطبري أن أولى الأقوال بالصواب، قول من قال: هن جميع أعمال الخير؛ لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويثاب، وإن الله عز ذكره لم يخصص من قوله: {والباقيات الصالحات} بعضاً دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن ذكر القرطبي ترجيح الطبري، قال: "وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه، جاز أن يقال له هذا. وقال علي رضي الله عنه: الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون؛ وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام".

ولا يعارض ما اختاره الطبري ما جاء في الحديث المتقدم، الذي خصص به الجمهور هذه العبارة المطلقة، أن (الباقيات الصالحات) هن: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذه الأمور هن من الباقيات الصالحات، ولم يقل: هن جميع الباقيات الصالحات، ولا كل الباقيات الصالحات، وجائز أن تكون هذه باقيات صالحات، وغيرها من أعمال البر أيضاً باقيات صالحات.

ثم إن ابن عاشور قال بخصوص هذه العبارة قولاً مفيداً، ونص قوله: "كان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين، أن يقدم {الصالحات} على (الباقيات)؛ لأنهما وإن كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ذلك المحذوف هو {الصالحات}؛ لأنه قد شاع أن يقال: الأعمال الصالحات، ولا يقال: الأعمال الباقيات؛ ولأن بقاءها مترتب على صلاحها، فلا جرم أن {الصالحات} وصف قام مقام الموصوف، وأغنى عنه كثيراً في الكلام حتى صار لفظ {الصالحات} بمنزلة الاسم الدال على عمل خير، وذلك كثير في القرآن قال تعالى: {وعملوا الصالحات} وفي كلامهم. ولكن خولف مقتضى الظاهر هنا، فقدم (الباقيات)؛ للتنبيه على أن ما ذُكر قبله، إنما كان مفصولاً؛ لأنه ليس بباقٍ، وهو المال والبنون. فكان هذا التقديم قاضياً لحق الإيجاز؛ لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره: أن ذلك زائل، أو ما هو بباق، والباقيات من الصالحات خير منه".

الوقفة الرابعة: {خير عند ربك ثوابا}، أي: أن الأعمال الصالحة دائمة باقية، وفعل الخيرات نافعة رافعة، وخيرات الدنيا منقرضة فانية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي.

الوقفة الخامسة: {وخير أملا}، أي: خير رجاء؛ لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة، دون ذي المال والبنين العاري من الباقيات الصالحات، فإنه لا يرجو ثواباً. قال الرازي: "كل عمل أريد به وجه الله، فلا شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل، يكون خيراً وأفضل؛ لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة".

وقال ابن عاشور: "إن أمل الآمل في المال والبنين، إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله، ومقصور على مدته. وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة، فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد، ويأمل شيئاً تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة، كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل:97).

الوقفة السادسة: هذه الآية الكريمة ورد لها شبيه، وذلك قوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا} (مريم:76)، وقوله سبحانه: {قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا} (مريم:74).

ختاماً، نشير إلى أن هذه الآية ونحوها من الآيات، لا ينبغي أن يُفهم منها الزهد التام في الدنيا، والإعراض عنها، فليس هذا المراد من الآية حقيقة، وإنما المراد منها التنبيه على أن الدنيا لا ينبغي أن تكون هي الهم الأكبر للمؤمن، ولا أن تكون الشغل الشاغل للمسلم، بل الآخرة هي الأساس، والدنيا طريق إلى الآخرة. فلا يليق بالعاقل أن يجعل ما هو وسيلة غاية، فإن هذا قلب للموازين، وبُعْدٌ عن سواء السبيل.  



[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #19 في: آذار 31, 2012, 05:17:54 مسائاً







جاء ربه بقلب سليم





 قوله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:88-89)


 و أيضاً قوله عز وجل: {إذ جاء ربه بقلب سليم} (الصافات:84)




موضوع (القلب السليم) والسالم موضوع مهم؛ ذلك أن الله سبحانه ذكر موضوع القلب السليم في آيتين كريمتين، كلاهما جاءتا في سياق الحديث عن الموقف الشركي لوالد إبراهيم عليه السلام مقابل الموقف التوحيدي لإبراهيم عليه السلام. فنحن نقرأ في هذا الصدد قوله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء:88-89)، ونقرأ أيضاً قوله عز وجل: {إذ جاء ربه بقلب سليم} (الصافات:84). فالآية الأولى ترشد إلى أن الإنسان لا ينفعه إلا عمله فحسب. أما الآية الثانية فتصف حال إبراهيم عليه السلام مع ربه.    

ونحن نذكر بداية المراد بـ (القلب السليم)، ثم ننعطف على بيان دلالة هذا التعبير القرآني، وحقيقة المراد منه.

فـ (السليم) من حيث المعنى اللغوي مصدر الفعل (سلم)، أي: القلب الخالي من المرض، ومن أي عارض. أما من حيث المعنى الشرعي الخاص، فـ (القلب السليم) هو القلب الذي لا يعرف سوى الإسلام. وهذا اللفظ يشترك من حيث جذره اللغوي مع لفظ (الإسلام)، وليس يخفى ما لهذا من دلالة.

وقد وردت عن السلف أقوال متعددة في معنى (القلب السليم)، نذكر منها:

قول ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (القلب السليم): هو القلب الحييُّ، يشهد أن لا إله إلا الله.

وقال مجاهد: (القلب السليم): الذي لا شك فيه.

وقال قتادة: (القلب السليم): سليم من الشرك.

وقال ابن زيد: (القلب السليم): سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.

وقال الضحاك: (القلب السليم): هو الخالص.    

وقال ابن سيرين: (القلب السليم): الذي يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وقال ابن المسيب: (القلب السليم): هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى في وصف المنافقين: {في قلوبهم مرض} (البقرة:10).

وقال أبو عثمان النيسابوري: (القلب السليم) هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة.

فإذا يممنا وجهنا شطر المفسرين، وجدنا شيخهم الطبري يذكر أن المراد من (القلب السليم): سلامة القلب من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. أما الرازي فيرى أن المراد من (القلب السليم) سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. ويقرر ابن عاشور أن المراد من (القلب السليم): الخلوص من عقائد الشرك، مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي. بينما يذكر الشيخ السعدي أن المراد من (القلب السليم): القلب الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب. وكل هذه الأقوال متقاربة ومتعاضدة يشرح بعضها بعضاً.

والمهم هنا - كما قال أهل العلم - أن الإنسان لا يكون صاحب قلب سليم إلا أن يتحلى بأخلاق القرآن الكريم؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، كما ورد في الحديث. فمن صفات القلب السليم أن يكون عامراً بالإسلام، ومتزيناً بخلق القرآن، فإن لم يكن كذلك، فلا يصح أن يوصف بكونه قلباً سليماً.

ومما يحسن أن يقال هنا: إن (القلب السليم) هو القلب السالم عن كل ما يضر الناس، وقد ورد في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.

فتحصل من مجموع ما تقدم: أن قلب المؤمن يجب أن يكون سالماً من الكفر ومن الشرك ومن الشك ومن الريبة والتردد والفراغ. وأن القلب المملوء كفراً مهما تصرف صاحبه بشكل إنساني فلن يكون قلباً سليماً؛ لأن القلب الخالي من الإيمان لا يعرف طريق الخير، وإن عرفه فهو يسلكه لمصلحة مرجوة، ظاهرة أو باطنة. فبدون الإيمان تكون صور الخير والجمال والفضيلة: إما كذباً، وإما شيئاً مؤقتاً، أي فهو خال من أي قيمة حقيقية.

وقد نسمع من بعض الناس يقولون: "إن قلبي نظيف؛ لأنني أحب الناس كثيراً، وأسعى إلى مساعدتهم"، وهذا عند التحقيق والتدقيق كلام لا معنى له؛ ذلك أن القلب الذي سكنه الإلحاد والإنكار، وعشعش فيه أنى يكون قلباً سالماً وسليماً؟!

ثم ها هنا بعض فوائد حول (القلب السليم) نذكرها تكميلاً للفائدة:  



الفائدة الأولى:

أن قوله تعالى: {بقلب سليم} جمع جوامع كمال النفس، وهذه الجوامع مصدر محامد الأعمال. وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه. ذكرها قال ابن عاشور.



الفائدة الثانية:

أنه يلزم من سلامة القلب من الشرك والشك...اتصافه بأضدادها، من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعاً لما جاء عن الله. ذكرها الشيخ السعدي.



الفائدة الثالثة:

أن القرآن الكريم وضع (القلب السليم) مقابل المال والبنين، ولهذا دلالته؛ وذلك أن كثيراً ما يكون المال وكذلك البنون حاجزاً بين الإنسان وبين سلوك سبيل الرشاد، وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى محذراً ومنبهاً: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا} (الكهف:46). وقال تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} (الأنفال:28).

وختام القول: إن الاهتمام بالقلب أمر غاية في الأهمية، وقد غفل عنه كثير من الناس، وليس يخفى أن التوجه إلى هذا القلب إصلاحاً ومراقبة وتصحيحاً، كي يغدو قلباً سالماً وسليماً، أمر مما لا ينبغي أن يُغفل عنه.  





[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #20 في: نيسـان 02, 2012, 05:08:53 مسائاً






ولا تركنوا إلى الذين ظلموا


قال الله تعالى : {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} (هود:113)





من جملة إعجاز القرآن الكريم أن الآية الواحدة فيه لا تفهم حق الفهم إلا من خلال السياق والسباق الذي وردت فيه، وهي في الوقت نفسه يمكن أن تشكل بناء موضوعياً مستقلاً، يمكن أن يُكتب فيه كتاب برأسه. ولا عجب في ذلك، فهو كتاب الله المفتوح، الذي تتولد بقراءته المعاني على مر الدهور، وتُنتج بتأمله الأفكار على مدى العصور.

وتأسيساً على ما تقدم، نتجه في هذا المقال إلى الوقوف عند آية كريمة تشكل بذاتها منهجاً للمسلم، ونبراساً للمؤمن، يُستضاء به في دروب هذه الحياة المليئة بالفتن والمحن والمغريات والملهيات، والمقدمات والمؤخرات. يقول عز من قائل مخاطباً عباده المؤمنين: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} (هود:113).


هذه الآية الكريمة تستدعي العديد من الوقفات، نقتصر منها في هذا المقام على الوقفات التالية:


الوقفة الأولى: فسر أئمة اللغة (الركون) بمطلق الميل والسكون إلى الشيء. وذكر القرطبي أن حقيقة الركون في اللغة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به. ولعله مأخوذ من الركن، وهو دعامة كل بناء، قال تعالى: {أو آوي إلى ركن شديد} (هود:80).

وللسلف أقوال في المقصود من هذا النهي القرآني؛ فالمنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما قولان: أحدهما: النهي عن الركون إلى أهل الشرك. ثانيهما: النهي عن مداهنة أهل الظلم، على معنى قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} (القلم:9)، والمداهنة نوع من النفاق والمصانعة، ومداهنتهم تكون بالرضا على ظلمهم وعدم الإنكار عليهم.


وروي عن أبي العالية، قوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}، يقول: لا ترضوا أعمالهم.


وروي عن قتادة، قوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}، يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه.


وقال الطبري في معنى النهي: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم، وترضوا أعمالهم. قال ابن كثير تعقيباً على قول الطبري: وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم قد رضيتم بصنيعهم.


وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، تفيد النهي عن الرضا والقبول بما يفعله أهل الكفر والظلم.


وقد استخدم القرآن الكريم لفظ (الركون) وهو مطلق الميل، ما يفهم منه من باب أولى المنع من موالاة أهل الظلم ومناصرتهم. فالتعبير بـ (الركون) يحمل دلالة أبلغ على المراد من هذا النهي، على حد قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة:90). فالتعبير بـ (الاجتناب) أبلغ من التعبير بقوله: (لا تشربوا الخمر، ولا تتعاطوا الميسر...).  


وعلى الجملة، فإن لفظ (الركون) دال على النهي عن الميل إلى الذين جعلوا الظلم شعارهم، وتخطوا حدودهم، وجاوزا خط الاعتدال، وداسوا كرامة الحقوق، وجعلوا الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، وتجردت قلوبهم من خشية الله.

الوقفة الثانية: قوله تعالى: {الذين ظلموا} للمفسرين قولان مشهوران في تحديد المراد بـ {الذين ظلموا}، الأول: أن المراد أهل الشرك تحديداً، فتكون الآية خطاب للمؤمنين باجتناب أهل الشرك والبعد عنهم. الثاني: أن المراد أهل الظلم من المشركين والمسلمين، فيكون اللفظ عاماً، يشمل كل ظالم سواء أكان مؤمناً أم كافراً. وقد رجح القرطبي أن المراد من الآية أهل الظلم عموماً، فقال: وهذا هو الصحيح في معنى الآية؛ وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة.


وقال الشوكاني: وهذا هو الظاهر من الآية - أي أن ظاهرها العموم -، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون، لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


وكلمة (ظلموا) في الآية ليست قاصرة على أولئك يظلمون الناس من منطلق وضعهم السياسي والسلطوي، بل يشمل أيضاً أولئك الذين يظلمون الناس من منطلق وضعهم الاقتصادي والمادي، حيث يضيقون على الناس في لقمة العيش، ويحاصرونهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم ومتجرهم، ويشمل أيضاً أولئك الذين يظلمون الناس من منطلق وضعهم الاجتماعي، وذلك بالتفريق بينهم على أساس العرق واللون والمعتقد.

وبحسب هذا الفهم الواسع للآية، فإن الآية لم تنهنا عن مبايعة من بيده مقاليد الأمور والخضوع لسلطانه، بل نهتنا عن الركون والميل القليل إلى أولئك الذي جعلوا الظلم سمتهم وشعارهم في مناحي الحياة كافة.


الوقفة الثالثة: رتبت الآية الكريمة نتيجتين على الركون إلى أهل الكفر. أولهما: دنيوية، وهي عدم النصر والمعونة من الله. ثانيهما: عذاب النار في الآخرة. وهاتان النتيجتان مستفادتان من قوله تعالى: {فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}، فكأنه سبحانه يقول لنا: إنكم إن رضيتم بمسلك أهل الظلم، ومشيتم في ركابهم، وناصرتموهم في باطلهم، مستكم نار جهنم في الآخرة، ولم ينصركم الله في الدنيا، بل يخلِّيكم من نصرته، ويسلط عليكم عدوكم، ويخذلكم. وهذا ما عليه حال الأمة اليوم.

الوقفة الرابعة: قال المحققون من أهل العلم: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة. أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء مما هم عليه من المخالفات والمنهيات؛ فأما مداخلتهم لرفع ضرر، واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخلة في الركون. وإنما يكون هذا من طريق تدبير أمر المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية؛ إذ إنه سبحانه كاف عباده عن جميع خلقه: {أليس الله بكاف عبده} (الزمر:36).


الوقفة الخامسة: قال ابن عاشور: هذه الآية أصل في سد ذرائع الفساد المحققة أو المظنونة. وسد الذرائع دليل شرعي معتبر، تبنى عليه العديد من الأحكام، فكل ما أدى إلى تعطيل فرض شرعي فلا يجوز قربانه، وكل ما أدى إلى تحريم ما أحل الله فلا يجوز إتيانه، وكل ما أدى إلى تحليل ما حرم الله فلا يجوز تناوله.

ولا يحسن بنا أن نختم الحديث عن هذه الآية من غير أن نذكر قول الحسن البصري المتعلق بهذه الآية الكريمة، حيث قال: جعل الله الدين بين لاَئين: {ولا تطغوا}، {ولا تركنوا}. فقد لخص الحسن الدين كله بأمرين: النهي عن الطغيان، والنهي عن الركون إلى الظالمين. وفي هذا دلالة على أهمية تجنب الركون إلى أهل الظلم؛ لما في ذلك من توهين لأمر الدين، وإضعاف لشأنه.  




[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #21 في: نيسـان 03, 2012, 06:25:47 مسائاً





إلا تفعلوه تكن فتنة


 قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} (الأنفال:73)





من السنن الاجتماعية التي قررها القرآن الكريم ما جاء في قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} (الأنفال:73)، فقد قررت هذه الآية الكريمة، أن المسلمين إذا لم يعاون بعضهم بعضاً، ويؤزار بعضهم بعضاً، فإن الفتنة تحل بينهم، وتجر معها فساداًَ كبيراً، يعم البلاد والعباد، وبالتالي يكون تجازوها والقضاء عليها ليس بالأمر اليسير.

نتجه في السطور التالية إلى إلقاء بعض التأملات حول هذه الآية، ذاكرين بداية معنى (الفتنة)، ومبينين تالياً حاصل ما قاله المفسرون في المراد من هذه الآية، ثم واقفين نهاية على أهم الفوائد والعبر المستفادة من هذه الآية.  

أما لفظ (الفتنة) فهو لفظ يجمع معنى مرج أحوال الناس واضطرابها وتشتتها، والخوف والخطر على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام. وقد يخصص ويعمم بحسب ما يضاف إليه، أو بحسب المقام. يقال: فتنة المال، وفتنة النساء، وفتنة الدين، ونحو ذلك.

ولما كانت (الفتنة) يختلف ثبات الناس فيها، بحسب اختلاف رجاحة عقولهم وصبرهم ومقدرتهم على حسن الخروج منها، كان من لوازمها الابتلاء والاختبار. فكان ذلك من المعاني التي يكنى بالفتنة عنها كثيراً؛ ولذلك تسامح بعض علماء اللغة، ففسر (الفتنة) بالابتلاء.

هذا معنى (الفتنة) من حيث الأصل اللغوي. أما المقصود منها في الآية، فقد قال المفسرون: الفتنة في الأرض: قوة الكفر. والفساد الكبير: ضعف الإسلام؛ لأن المسلمين إذا لم يكونوا يداً واحدة على الكفر، كان الكفر ظاهراً، والفساد منتشراً.  

وقد ذكر المفسرون في المراد بالآية رأيين:

أحدهما: أن الآية خطاب للمؤمنين، تبين لهم أن أصل التوارث بينهم ينبغي أن يقوم على أساس الإيمان فحسب، وليس على أساس القرابة والنسب.

ثانيهما: أن الآية خطاب للمؤمنين بغية التعاون والتناصر والتآزر فيما بينهم؛ كي لا يتسلط عليهم الأعداء، فيفرقوا جمعهم، ويوقعوا الفساد بينهم. وقد رجح الطبري هذا القول، واستدل بهذه الآية على حرمة مُقام المسلم في ديار الكفر، ووجوب الهجرة إلى ديار الإسلام.

واستقراء نصوص الشرع ومقاصده، ترجح أن يكون المراد من الآية ما اختاره الطبري ؛ وذلك أن سياق الآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية تتحدث عن موضوع الموالاة والنصرة بين المؤمنين؛ وعليه يكون معنى الآية الكريمة - كما قال الزمخشري -: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين، وتولي بعضهم بعضاً، تفضيلاً لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرابتهم كلا قرابة، تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، وتفوت مقاصد الشرع والدين.

وبيان هذه (الفتنة) و(الفساد) - كما قال الرازي - يكون من وجوه:

أولاً: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكفار.

ثانياً: أن المسلمين لو كانوا متفرقين، تشتت قوتهم، وضعف أمرهم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم.

ثالثاً: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في ازياد في العدد والعُدة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم فيما هم فيه، ورغبة المخالف في الالتحاق بهم.

والمتأمل في تاريخ المسلمين القديم منه والحديث، يجد أن الفتنة والفساد الكبير قد وقعا في معظم هذا التاريخ؛ وما ذلك إلا لعدم أخذ المسلمين بهذه السُّنَّة القرآنية، وذلك بتركهم الولاية بينهم، وتخاذلهم وتولي بعضهم لمن نهاهم الله عن ولايتهم. فسقوط الخلافة الأموية، والعباسية، والأندلسية، والعثمانية أكبر شاهد على مصداقية هذه السُّنَّة القرآنية.

وواقع المسلمين اليوم ليس ببعيد عما قررته هذه الآية الكريمة؛ إذ إن (الفتنة) اشرأبت في العديد من أقطار المسلمين، جراء موالاة الكافرين، وترك موالاة المسلمين، وظهر الفساد الكبير في عموم ديار المسلمين؛ لتركهم ما أمر الله به من شرع ودين.

وعلى المستوى الإنساني العام، فيمكن القول أيضاً: إن الوضع الديني والخلقي والاجتماعي والسياسي المزري الذي يعيشه العالم اليوم، بل الانهيار الإنساني، والاحتضار المعنوي الذي يعانيه عصر العولمة كله تفسير لقوله تعالى: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.

والحق، فإننا لم نؤدِ واجبنا، ولم نقم بدرونا في أن نكون شهداء على الناس، وفي أن نقيم المجتمع الإسلامي المؤمن القوي النقي، فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير، وفاقد الشيء لا يعطيه، والمريض لا يعالج المريض، والمجتمع الذي فقد حصانته الخلقية، وقوته الروحية، وتماسكه الخلقي، وتمرده على الشهوات والسفالات، وصموده أمام المغريات النفسية، والمالية، والسياسية، ولم يحمل دعوة يعتز بها، ويتحمس في القيام بشرحها ونشرها، لا يستطيع أن يحافظ على كيانه وشخصيته حتى بقائه واستمراره، فضلاً عن عملية إنقاذ العالم المعاصر، والمجتمع الحاضر، من التدهور والانهيار، وما يرغب فيه ويسعى إليه من الانتحار. {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (القصص:50).






[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #22 في: نيسـان 17, 2012, 07:26:16 مسائاً






الهلاك عاقبة بطر النعمة




المتأمل في القرآن الكريم يقف على جملة من الآيات التي تبين عاقبة الذين يتكبرون على ما أسبغ الله عليهم من نِعَم ظاهرة وباطنة، بل ويستخدمون تلك النعم في غير ما شرعه الله، حيث يحل بهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، نقرأ في هذا المعنى قوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين} (الأنبياء:11)، وقوله سبحانه: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} (الحج:45)، والآيات في هذا الشأن ليست بالقليلة.  



ومن الآيات الدالة على هذا المعنى، والتي نريد أن نلقي ظلالاً حولها، قوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين} (القصص:85). فقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب آية تُنْكِرُ وتوبِّخ أهل مكة جراء موقفهم السلبي من دعوة الإسلام، وذلك قوله سبحانه: {أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} (القصص:57)، فبعد هذا التوبيخ والتقريع، يبيَّن سبحانه سُنَّة من سننه الإلهية، إنها سنة الإهلاك في الأرض، عقاباً للتكبر والتجبر.
 
والمراد بـ (القرية) في الآية ونحوها: (أهل القرية)؛ وخصَّ القرآن الكريم القرية بالذكر، دون ذكر أهلها - كما قال بعض المفسرين - لأن العبرة بها أوضح؛ لأنها إذا أُهلكت بقيت آثارها وأطلالها، ولم ينقطع خبرها من الأجيال الآتية بعدها. وقد يقال: إنما علق الإهلاك بالقرى للإشارة إلى أن شدة الإهلاك بحيث يأتي على القرى وأهلها، وهو الإهلاك بالحوادث التي لا تستقر معها الديار، بخلاف إهلاك الأمة فقد يكون بطاعون ونحوه، فلا يترك أثراً في القرى، وإنما يؤثر في أهلها فحسب.

و(البطر) هو التكبر، والفعل {بطرت} تضمن معنى (كفرت)؛ لأن البطر وهو التكبر يستلزم عدم اعتراف العبد بما يُسدى إليه من الخير. والمراد: بطرت حالة معيشتها، أي: نعمة عيشها.
ومعنى {لم تسكن من بعدهم}، أي: لم يتركوا فيها خَلَفاً لهم، وذلك كناية عن انقراضهم عن بكرة أبيهم.
 
وقوله سبحانه: {إلا قليلاً} أي: لم تسكن سكناً إلا سكناً قليلاً، والسكن القليل: هو مطلق الحلول بغير نية الإقامة، فهو إلمام يسير، لا سكنى تدوم. والمراد: أن تلك القرى لم تسكن إلا مقدار ما ينزل بها المسافر، لكن سرعان ما يرحل؛ وبالتالي فهي خالية خلاء لا يعمرها عامر، والله قدر بقاءها خالية؛ لتبقى عبرة وموعظة لمن أنكر نِعَم الله عليه، ولم يشكره عليها حق الشكر.
 
وقوله سبحانه: {وكنا نحن الوارثين} يفيد أن تلك القرية لم تسكن من بعدهم، فلا يحلُّ فيها قوم آخرون بعدهم، فعُبِّر عن تداول السكنى بالإرث من باب الاستعارة.
 
وقَصْر إرث تلك المساكن على الله تعالى حقيقي، أي: لا يرثها غيره سبحانه. وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن. وتلك الكناية إشارة إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين، بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن، فعاقبها بالحرمان من الساكن؛ لأن بهجة المساكن سكانها.
 
وهذه الآية تُظْهِر تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مر في طريقه إلى تبوك بحِجْر ثمود، فقال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين) متفق عليه. أي: لا تدخلوا مساكن الظالمين والمتكبرين إلا حال كونكم خائفين، اقتصاراً على ضرورة المرور؛ ولئلا يتعرضوا إلى حقيقة السكنى، التي قدر الله انتفاءها بعد قومها، فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقاً لقدره.
 
وهذه الآية الكريمة تقرر سنة باقية إلى يوم القيامة وهي أن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك الناس؛ وبالتالي عليهم أن يحذروا من البطر والأشر، وعدم الشكر على ما أنعم الله عليهم من نِعَم، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية، وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها، وتروي قصة البطر بالنعمة، وقد فني أهلها فلم يخلفوا أحداً، ولم يرثها بعدهم أحد.
 
بيد أن من حكمته سبحانه ورحمته أن لا يعذب الأمم بمجرد تنكرها لأنعم الله عليها قبل إقامة الحجة عليها، بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا} (القصص:59)، وقال سبحانه: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (الإسراء:15)، فهذه أيضاً سنة إلهية سابقة لسنة الإهلاك.
 
ومع ختم الرسالات السماوية برسالة القرآن، وهو باق ما بقيت السماوات والأرض، فهو المنذر للناس أجمعين، وهو الحجة عليهم إلى يوم الدين؛ وبالتالي فلا عذر لأحد إن لم يتبع هدي هذا القرآن، ويحذر السنن الإلهية التي أقام الله عليها هذا الكون.
 
وعلى الجملة، فإن مقصود الآية الرئيس هو تحذير الناس من الترف المدمر للأمم والحضارات، والتجرد عن البطر الذي يؤدي إلى الهلاك، فكم من دول كانت ذات صولة وجولة، بيد أنها لما كفرت بأنعم الله أذاقها الله لباس الجوع والخوف، فأصبحت ضعيفة بعد أن كانت قوية، وفقيرة بعد أن كانت غنية. وهذه السنَّة كما تنطبق على الأمم والدول فإنها أيضاً سارية على مستوى الأفراد.  





[/COLOR][/SIZE]


محمد.ج

  • Sr. Member
  • ****
    • مشاركة: 351
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #23 في: نيسـان 18, 2012, 03:03:03 مسائاً
بارك الله فيك أختي على كا ما تقومين به
لكن ملاحظة اذا سمحت.....
بعد رجوعي للمصدر لم أجد مرجعا واضحا بل هو موقع فحسب أم أني لم أعرف أنا المرجع
لذا يا ريت لو تدليني على مرجع أحسن لأنك تعرفين عظم كلام الله
و تقبلي مروري الثقيل
دمت متميزة احترامي


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #24 في: نيسـان 18, 2012, 03:29:28 مسائاً







مقتبس من: محمد.ج;628920
بارك الله فيك أختي على كا ما تقومين به


و فيك بارك الله



لكن ملاحظة اذا سمحت.....

بعد رجوعي للمصدر لم أجد مرجعا واضحا بل هو موقع فحسب أم أني لم أعرف أنا المرجع

نعم هو كدلك

لذا يا ريت لو تدليني على مرجع أحسن

عندما اجد مرجعا احسن سادلك عليه بكل تاكيد
ليكن في علمك يا اخي اني اعرف تماما عظمة كلام الله و هل في هدا يمكن ان يكون هناك شك
و انا قصدي كان طيبا  اردت فقط ان ادكر نفسي و غير بمعنى كلام الله تعالى حتى لا نقراه فقط دون ان
نفهمه و يوم فكرت بوضع الموضوع بحث كثيرا عن مصدر موثوق و اعتقد ان الموقع يبدوا موقعا طيبااا
ثم لا يمكن لاحد ان لا يقدر كلمات الله تعالى او يتلاعب بشرحها فاكيد هم ايضا يعرفون عظمة كلام الله
ثم اني قرات الكثير من مقالاتهم في تفسير ايات القران قبل ان اضع الموضوع اصلا و رايت فيها استدلالا
طيبا بالقران الكريم و بالاحاديث الشريفة و استدلالا باقوال بعض المفسريين لدلك ارتحت الى تلك المقالات
و ارجوا من الله تعالى ان تكون فعلا مقالات طيبة و موثوقة






 لأنك تعرفين عظم كلام الله

و من دا الدي لا يعرف ؟
انا اعرف و الكل يعرف و حتى اصحاب موقع المصدر يعرفون يالتاكيد ان شاء الله





و تقبلي مروري الثقيل

اهلا بك

دمت متميزة احترامي

شكرا لك

ارجوا ان يكون ردي كافيا لانه رد صادق و بنية طيبة وضعت الموضوع
و ساحاول ان ابحث عن كتب بهدا المجال و مصادر اخرى و ساضعها بالموضوع

صدقني يا اخي انا هدا الموضوع حمل ثقيل على كاهلي ان صح القول
فانا لا اريد ان اخطا او انقل امورا خاطئة فو الله اني اردت فقط الافادة


 




[/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #25 في: نيسـان 18, 2012, 03:49:38 مسائاً





تفضل اخي محمد  انت و كل متابعي الموضوع


هدا  الرابط بادن الله سيكون مفيد و اعتقد انه موثوق



من هنا


و اخي انا قارنت بين ما في المقالات الموجودة في موضوعي و بين التفاسير الموجودة بالرابط
و لم اجد فرقا او مشكلا كل ما في الامر ان هده المقالات جمعت بها تفاسير لعدة مفسرين
و استدلالا باحاديث و ايضا شرحا لغويا


اتمنى ان اكون وفقت بالرد و ان اكون وفقت بموضوعي هدا بادن الله تعالى



المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #26 في: نيسـان 19, 2012, 04:33:48 مسائاً





وقولوا قولاً سديداً


 قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} (الأحزاب:70)



الكلمة هي صلة الوصل بين الإنسان والعالم من حوله، وهي من الصفات التي تميَّز بها الإنسان عن سائر المخلوقات، وهي الوسيلة التي تجعل العبد من أصحاب الجنة أو من أصحاب الجحيم.

وقد أولى القرآن الكريم عناية خاصة بهذه الوسيلة، فحض المؤمنين على التحلي بخير الكلام وأحسن القول.

فوصف سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي {أصلها ثابت وفرعها في السماء} (إبراهيم:24). وأمر المؤمنين من عباده أن يقولوا {للناس حسنا} (البقرة:83)، وأن يقولوا {لهم قولا معروفا} (النساء:5). وأخبر تعالى أنه {إليه يصعد الكلم الطيب} (فاطر:10).


وفي هذا الصدد يأتي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} (الأحزاب:70). فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بالقول السديد. فما هو القول السديد، وماذا يترتب عليه من نتائج؟  

قبل أن نجيب على هذا السؤال، نستبق ذلك بثلاثة تنبيهات:


أولها: أن ابتداء الآية بنداء {الذين آمنوا}، إنما هو للاهتمام بمضمون هذا النداء، ولفت الانتباه إليه.


ثانيها: أن النداء بـ {الذين آمنوا}، فيه تعريض بأن الذين يصدر منهم ما يؤذي الناس قصداً، ليسوا من المؤمنين حق الإيمان.

ثالثها: أن تقديم الأمر بالتقوى مشعر بأن ما سيؤمرون به من القول السديد هو من شُعَب التقوى كما هو من شعب الإِيمان.


بعد هذه التنبيهات المهمة، نأخذ بشرح بعض ألفاظ الآية، وفق التالي:

(القول): هو الكلام الذي يصدر من فم الإنسان، يُعَبِّر به عما في نفسه.


و(السديد): الذي يوافق السداد. و(السداد): الصواب والحق، ومنه تسديد السهم نحو الهدف، أي: عدم العدول به عن وجهته المقصودة، بحيث إذا اندفع إليه أصابه.


ثم إن (القول السديد) يشمل الأقوال الواجبة، والأقوال الصالحة النافعة، مثل: ابتداء السلام، والكلمة الطبية التي تدخل السرور إلى قلب المؤمن، والإصلاح بين الناس.


ويشمل (القول السديد) ما هو عبارة عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء. فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من القول السديد. وفي الحديث: (نضَّر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها)، رواه الترمذي. وكذلك نشر أقوال الصحابة والحكماء وأئمة الفقه.

ومن (القول السديد) تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح. فبالقول السديد تشيع الفضائل والحقائق بين الناس، فيرغبون في التخلق بها، وبالقول السيء تشيع الضلالات والأوهام، فيغتر الناس بها، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. و(القول السديد) يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


و(القول) كما يكون باباً عظيماً من أبواب الخير، فهو يكون كذلك باباً من أبواب الشر. وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)، رواه الترمذي. والآية بمفهومها المخالف تفيد النهي عن ضد (القول السديد)، وهو القول الذي ليس بسديد. فـ (القول السديد) لا يكون حتماً إلا بمراعاة أمانة الكلمة وضوابطها.


وقد رتبت الآية الكريمة على (القول السديد) جملة من النتائج، عبرت عنها الآية التالية لها، وهي قوله تعالى: {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} (الأحزاب:71)، فالقول السديد يقود إلى العمل الصالح، والله سبحانه يرعى المسدَّدَين، ويقود خطاهم، ويصلح لهم أعمالهم؛ جزاء التصويب والتسديد. والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح؛ ويكفر عن السيئة التي لا ينجو منها الآدميون الخطاؤون. ولا ينقذهم منها إلا المغفرة والتكفير.

وعلى ضوء المقدمات والنتائج التي قررتها هذه الآية الكريمة، نستطيع أن ندرك أهمية الكلمة الحسنة، والقول السديد في حياة الأفراد والأمم معاً؛ فكم من كلمة صوبت مسيرة إنسان كان يسلك طريق الضلال! وكم من كلمة أودت بحياة إنسان كان يعيش في خير وأمان! وكم من كلمة صنعت سلاماً وأمناً! وكم من كلمة صنعت حرباً ودماراً! وواقع الأفراد، وتاريخ الأمم خير شاهد على ذلك. {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).  
















اضيف فقط بخصوص المصدر و هو

موقع إسلامي دعوي ، ينتهج منهج أهل السنة والجماعة في المعتقد والعمل ، ويقوم عليه نخبة من حملة الشهادات الشرعية واللغوية والفنية ، كما يكتب فيه عدد من الأسماء البارزة .
أهداف الموقع .
يسعى  إلى ترسيخ القيم الإسلامية ، وتحقيق جملة من الأهداف ، ومنها :
" نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة ، والعلوم الشرعية المبنية على الدليل من الكتاب والسنة .
" توضيح الصورة الصحيحة للإسلام والمسلمين ، وإبراز محاسن هذا الدين وشموليته واعتداله .
" الاهتمام بقضايا المسلمين كافة ، وعلى جميع الأصعدة ، وفي جميع المجالات .
" الاهتمام بدعوة غير المسلمين بالطريقة الصحيحة ، وفق المنهج القويم .
" عرض المواد بطريقة مهنية ، مع مراعاة الأصالة والمنهجية والموضوعية .
" جمع كلمة المسلمين ، والتواصل والحوار مع الآخرين ، ضمن الثوابت .
" تقديم الخدمات الممكنة لزوار الموقع ، ليكون بوابة شاملة على الإنترنت .






هده الكلمات من الموقع ماخودة و استدل بها فقط من اجل مصداقية المصدر



من هنا


و اعتقد انها كلمات مقنعة

















[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #27 في: نيسـان 22, 2012, 06:58:45 مسائاً






ادع إلى سبيل ربك



قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125)





من الآيات المفتاحية في القرآن الكريم ما ذكره سبحانه؛ تبياناً لمنهج الدعوة في سبيله، قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125)، فقد بينت الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الدعاة أن منهج الدعوة إلى الإسلام قائم على هذه الأسس الثلاثة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. وفيما يلي مزيد بسط لمضمون هذا الآية ومقصودها.


مفردات الآية

(سبيل ربك): هو الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الشورى:25)، قال البغوي: يعني الإسلام.
و(الحكمة): اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغير.    

و(الموعظة): هي المقالة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. وقيل: القول الذي يُلِّين نفس المقول له لعمل الخير. وهي أخص من الحكمة؛ لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها.  

و(المجادلة): من الجدل: وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصل هذا اللفظ من: جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله، وجدلت البناء: أحكمته.
 
المنهج القرآني في الدعوة
 
تبين هذه الآية الكريمة منهج الدعوة إلى الله، وترشد كل من يقوم مقاماً من مقامات الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الإسلام، أن عليه أن يكون سالكاً للطرائق الثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وإلا كان منصرفاً عن منهج القرآن في الدعوة إلى الإسلام، وغير خليق بأن يكون في صفوف الداعين إلى الله؛ لأن عدم التزامه بهذا المنهج سيؤدي إلى خلاف ما هو مقصود ومأمول.
 
ولا يلزم الداعي إلى الله أن يلزم الطرائق الثلاث مع كل مدعو، بل اللازم أن يسلك الطريقة الأنسب والأجدى مع كل مدعو؛ إذ ليس كل الناس سواء، فمن الناس من يَحْسُن مخاطبته بطريق الحجة والبرهان (الحكمة)، ومن الناس من يكون الأليق بمخاطبته طريق الموعظة والاعتبار، وثمة فريق ثالث لا يجدي معه إلا منهج المجادلة؛ ومن هنا كان على الداعي أن يتخير لكل مدعو ما يغلب على ظنه أنه الأفضل في حقه، والأقرب إلى قبول دعوته.
 
على أنه قد يكون من الأنسب أن يُجمع في دعوة بعض المدعوين بين هذه الطرائق الثلاث، وذلك بدعوته عن طريق الحجة والبرهان، ومن ثم الانتقال معه بالدعوة بالموعظة الحسنة. ويراعى في كل ذلك ما هو أقرب إلى الأذهان، وما هو أسرع إلى القبول.
 
ومن مقتضى طريق (الحكمة) في الدعوة البدء بدعوة الأهم فالأهم، فدعوة العالم أولى من دعوة الجاهل، ودعوة القريب مقدمة على دعوة البعيد، ودعوة من يُرجى إسلامه أجدر ممن لا يُرجى إسلامه.
 
فعلى هذه الأسس الثلاثة يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده.
 
من لطائف الآية

اشتملت هذه الآية على جملة من اللطائف والفوائد، جدير بنا أن نسلط الضوء على شيء منها:
 
أولاً: لما كان الناس من حيث الجملة ينقسمون إلى أقسام ثلاثة: حكماء محققون، وعوام مسلِّمون، وخصماء مجادلون، جاءت هذه الآية لتبين المناهج الثلاث التي توافق ما عليه أقسام الناس. فالحكماء يخاطَبون بالحكمة، والعوام يخاطَبون بالموعظة، والخصماء يجادلون بالتي هي أحسن. وبهذا تكون الآية قد جمعت بين أصول الاستدلال العقلي الحق: البرهان، والخطابة، والجدل. وهي الأصول المعتبرة في الاستدلال عند أهل المنطق.
 
ثانياً: قُيدت (الموعظة) بالحسنة، ولم تقيد (الحكمة) بمثل ذلك؛ لأن الموعظة لما كان المقصود منها غالباً الردع عن أعمال سيئة واقعة أو متوقعة، كانت مِظنة لصدور غلظة من الواعظ، ولحصول انكسار في نفس الموعوظ، فتوخَّت الآية كون الموعظة حسنة، وذلك بالقول اللين، والترغيب في الخير، كما قال تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (طه:44). أما الحكمة فهي تعليم لمتطلبي الكمال من معلم يهتم بتعليم طلابه، فلا تكون إلا في حالة حسنة، فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة.
 
ثالثاً: اشتمل القران الكريم على الحكمة والموعظة والمجادلة؛ ففيه بيان آيات الله في الكون من خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره، وإنزال الماء، وإنبات النبات، وفلق الحب والنوى، فهذا كله من الحكمة. وفيه قصص الأقوام السابقة، وما نزل بالعصاة من خسف وزلزال وريح صرصر عاتية، وهذا من الموعظة الحسنة. وفيه مجادلة المخاصمين، كمجادلة الذي {مر على قرية وهي خاوية على عروشها} (البقرة:259).
 
رابعاً: يستبين مما أرشدت إليه الآية الكريمة من مناهج الدعوة واقعية هذا القرآن ومراعاته لكافة المستويات الإنسانية، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها. والجدل بالحسنى هو الذي يخفف من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر.
 
ونختم القول حول هذه الآية بما جاء في "الموطأ" من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبة خطبها في آخر عمره: "أيها الناس قد سُنَّت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً". وضرب بإحدى يديه على الأخرى. وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذُكر مطلب للناس في حكم لم يسبق له بيان في الشريعة.















[/COLOR][/SIZE]


محمد.ج

  • Sr. Member
  • ****
    • مشاركة: 351
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #28 في: نيسـان 23, 2012, 12:07:11 مسائاً
السلام عليكم
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ   ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ "
فجزاك الله خيرا على كل ما تقومين به


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2148
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #29 في: نيسـان 23, 2012, 04:26:20 مسائاً







مقتبس من: محمد.ج;629934
السلام عليكم
عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ   ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ "

فجزاك الله خيرا على كل ما تقومين به





شكرا لك اخي الكريم و بارك الله فيك
و جزاك كل خير بادنه تعالى