في رحـــــــاب آية ........ (متجدد)

المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #30 في: نيسـان 23, 2012, 06:40:47 مسائاً





ادخلوا عليهم الباب


يقول تعالى : {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة:23).




في سياق تذكير موسى عليه السلام قومه بنعَمَ الله عليهم وآلائه لديهم، وجمعه لهم خيري الدنيا والآخرة، لو استقاموا على الطريقة، جاء أمره لهم بدخول الأرض المقدسة، بيد أن بني إسرائيل لم يعملوا بما أمرهم به نبيهم، فحرضهم رجلان أنعم الله عليهما، على اقتحام باب القرية، ودخول الأرض المقدسة.

يقول تعالى مخبراً عن مجريات هذا الحدث: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة:23). و لنا مع هذه الآية بعض وقفات.

الأولى: تحرص بعض كتب التفسير على ذكر أسماء هذين الرجلين، مع أن معرفة اسمهما لا تزيد شيئاً في دلالة الحدث؛ إذ العبرة تتحقق بدون حاجة إلى تحديد اسمهما، ولو كان في ذكر اسمهما خير لما تركه القرآن.

الثانية: أن هذين الرجلين من بني إسرائيل أُعطيا نعمة الصبر، وقوة الإيمان، وقد خالفا الذين قالوا: {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها} (المائدة:42)، وقد ذكر الله لهما وصفين: أحدهما: أنهما من الذين يخافون الله. وثانيهما: أن الله أنعم عليهما. وقد أراد الرجلان أن يزيلا خوف بني إسرائيل من أهل الأرض المقدسة، ويحرضوهم على امتثال أمر الله، ومتابعة رسوله.

الثالثة: أفاد قولهم: {ادخلوا عليهم الباب}، دعوتهم إلى اقتحام باب القرية، والدخول على ساكني الأرض المقدسة، وأخذهم على حين غِرَّة؛ إذ إن الدخول على هذه الحالة يحقق الذعر والهلع في قلوب المدخول عليهم، فتصيبهم الحيرة، ويأخذهم الذهول، وتكون الغلبة للداخلين؛ وهذا مفهوم من قوله سبحانه: {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}. فالآية واعدة بالنصر والغلبة للداخلين المقتحمين، وكأنها تقول لهم: متى دخلتم باب بلدهم، انهزموا، ولا يبقى منهم نافخ نار، ولا ساكن دار، فلا تخافوهم.

الرابعة: أفاد قوله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا}، أن تحقيق النصر يعتمد على عاملين اثنين: أحدهما: عمل حاسم، وعزم جازم. وثانيهما: تأييد من عند الله، وتوكل عليه، وتفويض إليه.

وقد بيَّن الرجلان عاملي النصر: أحدهما: الدخول المفاجئ والمباغتة. وثانيهما: التوكل على الله وحده حق التوكل، وألا يُعتمد على أحد سواه، وألا يُرجى النصر إلا منه؛ ولذلك قدَّم الجار والمجرور على مُتَعلَّقهما في قوله: {وعلى الله فتوكلوا}؛ بياناً وتأكيداً على أن التوكل إنما ينبغي أن يكون على الله وحده؛ إذ هو وحده القادر على منح النصر {وما النصر إلا من عند الله} (آل عمران:126). وفي هذا إشارة إلى أن سنة النصر لا ينبغي أن يُنظر إليها بمنظار العَدد والعُدد فحسب، بل - وهو الأهم - أن يُنظر إليه بمقياس الإيمان، والتوكل على الله {وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات:173).  

الخامسة: أفاد قوله سبحانه: {إن كنتم مؤمنين}، أن التوكل الحق لا يكون إلا من قلب مذعن مؤمن بالله، مخلص له، مجيب لِمَا يأمر الله به وينهى عنه، شاعرٍ أن الله معه، وأن سبحانه فوق كل جبار. وأفاد أيضاً أن الإيمان يقتضي العمل، وإجابة داعي الله، وترك وساوس الخوف والدعة.

السادسة: أفادت الآية بمجموعها ثلاث قواعد: الأولى: قاعدة في علم القلوب، تتمثل في قوة الإيمان، والتوكل على الله. والثانية: قاعدة في علم الحروب، وتتمثل في أهمية مباغتة العدو، وإتيانه من حيث لم يحتسب. والثالثة: قاعدة في علم السلوك، وتتمثل في الحث على العمل الحاسم والجازم، والأخذ بزمام المبادرة، وعدم انتظار النتائج.

وهذه الآية جديرة بالتأمل من المسلمين عموماً، والدعاة منهم خصوصاً؛ أما بالنسبة لعموم المسلمين، فبعد أن رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، وركنوا لزخرفها وبهرجها، وفَقَد الكثير منهم روح المبادرة، وحب العمل، وقوة العزيمة، استدعى الحال الوقوف عند هذه الآية، والتأمل في مضمونها وأسرارها، والعمل بمقتضاها وفحواها.

وأما بالنسبة للدعاة، فالمطلوب منهم المبادرة بالدعوة، واقتحام الأبواب المغلقة من قبل الجبارين، والمستكبرين في الأرض، والصادين عن ذكر الله، والمانعين لكلمة الحق من الوصول، والقاطعين لما أمر الله به أن يوصل. فكل هذه الأبواب يجب على دعاة الحق اقتحامها وولوجها بكل سبيل متاح، ليقذفوا حقهم على باطل حراسها، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الأنبياء:18).

إن اقتحام الأبواب الموصدة سنة دعوية، ترشد إلى اقتحام الأبواب - كل الأبواب - وهذا يستدعي وجود الدعاة والعاملين للإسلام في كل ساحة وباحة، ومكان وميدان، وبيت وناد، وشارع وطريق...لا بد من حضورهم وشهودهم واقتحامهم، بعد ما خلت الساحات والميادين من التحقق بالإسلام، وانفراد الشيطان وحزبه بتلك الساحات، وانحصر العمل الدعوي ضمن نطاق ضيق محدود.

إن اقتحام العقبات، وولوج الأبواب، والأخذ بزمام المبادرات أمر ملح، خصوصاً في أوقات الأزمات، ونزول الملمات، كي يكون أصحاب الدعوات على مستوى الخطوب والأحداث.











المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #31 في: نيسـان 24, 2012, 06:23:01 مسائاً





ليقوم الناس بالقسط




 قوله سبحانه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} (الحديد:25)







من الآيات الجامعة المانعة في القرآن الكريم، قوله سبحانه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} (الحديد:25). فقد بينت هذه الآية الكريمة، أن إرسال الرسل جميعاً، وإيتاءهم البينات، وإنزال الكتاب والميزان، إنما كان لأجل مقصد واحد هو: إقامة القسط بين الناس. فما هي هذه الأمور التي جُعلت سبباً لتحقيق هذا المقصد الأساس في حياة الأمم؟ هذا ما نسعى لتجليته في هذه السطور، وذلك على ضوء العناصر التالية:




البينات
 
المراد بـ (البينات) التي أُرسل بها الرسل: المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات على أن ما يدعون إليه هو مراد الله.
 


الكتاب والميزان
 

والمراد بـ (الكتاب) في الآية، جنس الكتاب، فيدخل فيه كتاب كل رسول. والمراد بـ (الميزان): العدل، والعدل يسمى ميزاناً؛ لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل. والمراد هنا: العدل في الأقوال والأفعال. والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق. و(الميزان) تبينه كُتب الرسل، وذكره بخصوصه للاهتمام بأمره؛ لأنه وسيلة انتظام أمور البشر، كقوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (النساء:105). قال ابن زيد: (الميزان): ما يعمل الناس ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي. و(الكتاب) فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون. فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا. وتفسير (الميزان) بالعدل، قول ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول أكثر المفسرين.
 


ومعنى إنزال الميزان: إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا به، وهو كقوله سبحانه: {ووضع الميزان} (الرحمن:7)، فيكون إنزاله بمعنى: إنزال أسبابه وموجباته، والأمر بإعداده.
 


القيام بالقسط
 


و(القيام) في الآية: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها؛ لأنه سبب لتيسير العمل.  و(القسط): العدل في جميع الأمور، فهو أعم من (الميزان) المذكور؛ لاختصاصه بالعدل بين متنازعين، وأما (القسط) فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. ويكون المراد بقوله سبحانه: {ليقوم الناس بالقسط}: أمر الناس بالعدل في معاملاتهم؛ وطريق ذلك، اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاؤوا به هو الحق المبين.
 


ثم هنا ينبغي التنبيه على أمر يقع تجاوزه، رغم شدة وضوحه، وهو أن (القسط) لا ينحصر في الحكم بين المتخاصمين، وفي إعطاء الناس حقوقهم فحسب، بل هو مطلوب في كل شيء، وفي كل مجال، وعلى المستويات كافة. فـ (القسط) يكون بين العبد وربه، وبين المسلم وأخيه، وبين المسلم وعدوه، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الغني والفقير، وبين الضعيف والقوي. قال الآلوسي: "القسط: لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي الاتصاف به معاشاً ومعاداً".
 


وأنزلنا الحديد
 
المراد بـ (إنزال الحديد): إنشاؤه وخَلْقه، وهو كقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} (الزمر:6). والمراد: جعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه.
 
والمقصود من التعبير بـ (الإنزال)، لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خلق الحديد وإلهامهم صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق، ويوضع نفعه حيث يليق به، كتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع ما يُخشى ضرره على الأرواح والممتلكات؛ لا لِتُجعل منافعه لمن لا يستحقها، مثل قطّاع الطرق، والثوار على أهل العدل.
 
والمراد بـ (المنافع)، أي: في خلق الحديد تدبير حياة الناس ومعاشهم، وما لا قوام لهم بدونه. والمتأمل في المعادن التي يستعملها الناس في نشاطاتهم كافة، يجد أن الحديد هو العنصر الأهم والأبرز والأكثر حاجة من غيره من المعادن.


 
وليعلم الله من ينصره
 
أي: ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل {ليعلم} على معنى ظهور أثر العلم. وقال السعدي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره، وينصر رسله في حال الغيب.
 
هذا، ونصرُ الناس الله هو نصرهم دينه، وأما الله فغني عن النصر. ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده والدفاع عنه. ويدخل فيه أيضاً نصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق. ويدخل فيه أيضاً نصر المستضعفين من المؤمنين، فكل هذا مشمول بقوله سبحانه: {وليعلم الله من ينصره}، وهو بمعنى قوله سبحانه: {إن تنصروا الله ينصركم} (محمد:7).
 
ثم لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة، كما يقع من منافق، أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بيَّن تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب، ومعناه: أن تقع عن إخلاص بالقلب. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بهذا الصدد، قوله: ينصرونه ولا يبصرونه.
 


لطائف الآية
 
اشتملت الآية الكريمة على جملة من اللطائف والفوائد، نذكر منها:
 


أولاً: أن الناس ثلاثة أصناف: صنف سابقون: وهم الذين يعامِلون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون ولا ينتصفون، ويحترزون عن مواقع الشبهات. وصنف مقتصدون: وهم الذين ينصفون وينتصفون، فلا بد لهم من الميزان. وصنف ظالمون: وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون، ولا بد لهم من الحديد والزجر. وهذا التقسيم متوجِّه بقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} (فاطر:32).
 


ثانياً: أن الإنسان، إما أن يكون في مقام النفس المطمئنة، فهو لا يسكن إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} (الرعد:28). وإما أن يكون في مقام النفس اللوامة، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق، حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم. وإما أن يكون في مقام النفس الأمَّارة، وهنا لا بد له من حديد المجاهدة.


 
ثالثاً: ذِكْرُ (الكتاب) في الآية إشارة إلى العمل بأحكام الشرع، المقتضية للعدل والإنصاف، وهو شأن العلماء. وذكر (الميزان) إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف، وهو شأن الملوك. وذكر (الحديد) إشارة إلى أن الناس لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف. وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف.
 


رابعاً: في الآية دليل على أن الرسل متفقون في مقصود الشرع والرسالة، من حيث دعوتهم العباد إلى القيام بالقسط، الذي هو العدل.
 


خامساً: قرن تعالى في هذه الآية بين الكتاب والحديد؛ لأنه بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويُعلي كلمته، بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان، والسيف الناصر بإذن الله، يقول ابن تيمية: "قوام الدين بكتاب يهدي، وسيف ينصر"، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله.

 
أخيراً لا آخراً، فإن الآية أفادت أن مقصود الشرائع ومطلوبها: إقامة حياة القسط و(مجتمع العدل).





[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #32 في: نيسـان 26, 2012, 05:27:24 مسائاً





تسع آيات بينات



 قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} (الإسراء:101)













حديث القرآن عن موسى عليه السلام وقومه حديث ذو شجون، ومما يلفت الانتباه هنا أن موسى كان أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم.




ومن الآيات الواردة في حق موسى عليه السلام قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} (الإسراء:101). وحديثنا حول هذه الآية ينصب بشكل أساس حول قوله سبحانه: {تسع آيات بينات}، فنقول أولاً: إن (الآيات) في القرآن الكريم تطلق على معان عدة، نذكر منها المعنيين التاليين:
 



الأول: الآيات المتلوة في الكتب المنـزلة، كقوله تعالى: {يتلون آيات الله آناء الليل} (آل عمران:113)، وقوله سبحانه: {يتلون عليكم آيات ربكم} (الزمر:71).
 



ثانيهما: الآيات الكونية والدلائل والمعجزات، كقوله تعالى: {وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون} (الجاثية:4)، وقوله سبحانه: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} (فصلت:53)، فمعنى (الآيات) هنا غيرها في المعنى الأول، كما يظهر للمتأمل.
 



ثم نقول: إن المفسرين يذكرون في معنى (الآيات البينات) التي أوتيها موسى عليه السلام تفسيرين:
أحدهما: أنها المعجزات والدلالات، قالوا: والمراد بهذه المعجزات والدلالات قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} (الأعراف:133)، وهذه الآية ذكرت خمس آيات، وأضيف إليها أربع أخر هي: إلقاء العصا مرّتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت بلسانه. وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: التسع الآيات البينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات.
 


وثمة هنا أقوال متعددة يذكرها المفسرون في تحديد هذه الآيات التسع، لا نرى كبير فائدة من ذكرها، والمهم معرفته هنا، أن المفسرين متفقون - كما قال ابن عطية - على أن الخمس آيات المذكورة في آية الأعراف من ضمن الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام.
 


فـ (الآيات البينات) - بحسب التفسير الأول - هي معجزات كونية، ودلائل واقعية. وهذا التفسير هو الذي مال إليه ابن كثير، وهو قول جمهور المفسرين في المراد بـ (الآيات البينات).
 


ثانيهما: أن المراد بـ (الآيات البينات) الأحكام، ومُستَنَد هذا التفسير، ما روي عن صفوان بن عسال أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله، فقال: لا تقل له: نبي، فإنه لو سمعك لصارت له أربعة أعين، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله عز وجل: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف. وعليكم يا معشر اليهود خاصة! لا تعدوا في السبت). فقبَّلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي، قال: (فما يمنعكما أن تسلما؟) قالا: إن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح. وقد تعقب ابن كثير هذا التصحيح للحديث، فقال: وهو حديث مشكل، وذَكَر وجه إشكاله.



 
وهذا التفسير الثاني للآية جنح إليه الرازي، فبعد أن بيَّن أن الأقوال التي قيلت في تفسير هذه الآية، غيرُ مستندة إلى حجة ظنية، فضلاً عن حجة يقينية، قال: "أجودها ما روى صفوان بن عسال"، ما يعني أنه يرى أن المراد بـ (الآيات البينات) التي أوتيها موسى عليه السلام إنما هي الأحكام والشرائع، وليس الدلائل والمعجزات.
 


 
وكلام الآلوسي حول هذه الآية، يُشعر أنه يميل في تفسير (الآيات البينات) في الآية على أنها (الأحكام)، كما ذهب إليه الرازي. فبعد أن نقل التفسير الأول، ذكر التفسير الثاني، ونقل عن الشهاب الخفاجي قوله: "إنه التفسير الصحيح"؛ وذكر أن وجه إطلاق (الآيات) على (الأحكام) بحسب هذا التفسير، من جهة أن العمل بـ (الأحكام) علامة على السعادة لمن امتثلها، وهي كذلك علامة على الشقاوة لمن أعرض عنها.
 
ثم قال الآلوسي بعد أن بين دليل كلا التفسيرين: "فمؤيدات كل من التفسيرين - أعني تفسير الآيات بالأدلة والمعجزات، وتفسيرها بالأحكام - متعارضة، وأقوى ما يؤيد الثاني الخبر"، يعني ما رواه صفوان بن عسال.
 
ومما هو جدير بالذكر هنا، أن الطبري - شيخ المفسرين - لم يرجح - على غير عادته - أيَّاً من التفسيرين للآية، ما يؤيد ما ذكره الرازي والآلوسي من تعارض الروايات الواردة بهذا الصدد.
 
وقد ذهب بعض أهل العلم المعاصرين إلى ترجيح التفسير الثاني للآية، واستدل لما رجحه بأدلة منها:
 



أولاً: أن الآيات المفصلات التي ذُكرت في آية الأعراف، كانت موجهة إلى فرعون وقومه؛ عقاباً لهم، بدليل عود الضمير عليهم: {فأرسلنا عليهم} (الأعراف:133)؛ كما يؤيده ما جاء في آية أخرى في الموضوع نفسه، وهو قوله تعالى: {في تسع آيات إلى فرعون وقومه} (النمل:12)، فالآيات هنا - بحسب السياق - ليست موجهة إلى موسى عليه السلام، بل إلى فرعون وقومه.  
 


 
ثانياً: أن لفظ {آتينا} في قوله سبحانه: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}، لا يستعمل في القرآن إلا للدلالة على ما هو خير، ونعمة، وامتنان، وبصفة خاصة في إيتاء الكتب السماوية، والآيات المتلوة، كقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} (الحجر:87)، ولم يُستعمل هذا اللفظ فيما ينـزله الله تعالى من الآيات المادية، عقاباً للظالمين، وتنبيهاً للغافلين.
 



ثالثاً: (الآيات البينات) التي أوتيها موسى عليه السلام شبيهة بالآيات المذكورة في مطلع سورة النور، في قوله سبحانه: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات} (النور:1)، فـ (الآيات البينات) المذكورة هنا - كما نقل الطبري عن ابن جريج - هي "الحلال والحرام والحدود"، وهي - كما قال الطبري - "علامات ودلالات على الحق بينات، يعني واضحات لمن تأمَّلَها، وفكَّر فيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الحق المبين، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم".
 



وهذه الأدلة يَرِدُ عليها أمران: أولهما: أن إتيان الله سبحانه موسى هذه الآيات هو خير ونعمة أيضاً؛ لأنها دلائل على صدقه، وبرهان على نبوته. ثانيهما: أن ختام الآية، وهو قوله سبحانه: {فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا}، يدل على أن الآيات موجه إلى موسى عليه السلام، لا إلى فرعون.  
 



       
ومهما يكن، فإن الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام - بحسب هذا الاختيار -ليست هي نفسها الآيات التسع التي أرسلها الله {إلى فرعون وقومه} نقمة وعقوبة، بل هي آيات تتضمن أمهات الأحكام؛ كالنهي عن الشرك، وتحريم قتل النفس، وتحريم الزنا، وتحريم السرقة، وتحريم السحر، وتحريم البغي، وتحريم الربا، وتحريم القذف، وتحريم الفرار من الزحف.
 



وهذه (الأحكام الأمهات)، أمرت بها جميع شرائع السماء، دلَّ على ذلك العديد من آيات الكتاب؛ كقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} (النساء:163)، وقوله سبحانه: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه} (فاطر:31)، وقوله عز وجل: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى:13). فهذه الآيات ونحوها تدل على أن أصول الأحكام أصول مشتركة بين شرائع السماء، وهي المعبر عنه بـ (الكليات الأساسية)، والتي بها تحفظ الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
 








وقد اتفقت شرائع السماء على ضرورة حفظ هذه الكليات، قال العز بن عبد السلام: "المصالح ثلاثة أقسام: أحدها: واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة...والمفاسد ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة؛ وذلك كالكفر والقتل والزنا والغصب وإفساد العقول".
 




والحديث النبوي الذي يجمع أصول (الأحكام الأمهات)، قوله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)، متفق عليه.
 










بقي أن نقول: إن العدد الذي نصت عليه الآية، ليس هو على سبيل الحصر؛ إذ إن العدد على رأي بعض أهل الأصول لا مفهوم له؛ ومن هنا قال الرازي: "وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر، لا يدل على نفي الزائد"،ونحو هذا قال الآلوسي.



[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #33 في: نيسـان 28, 2012, 04:10:40 مسائاً







إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات




قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} (النساء:58)











من الآيات الجامعة للأحكام ما جاء في قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} (النساء:58)، وقد وصف القرطبي هذه الآية، بأنها "من أمهات الأحكام، تضمنّت جميع الدين والشرع".




هذه الآية الكريمة جاءت عقب آيات سبقتها تتحدث عن أحوال الكفار والمنافقين، كقوله تعالى: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} (النساء:37)، وقوله سبحانه: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (النساء:38)، وتتحدث أيضاً عن بعض من صفات أهل الكتاب، كما في قوله سبحانه: {يحرفون الكلم عن مواضعه} (النساء:46)، وقوله عز وجل: {يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} (النساء:54)، وكل ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين، والعلم، والحق، والنعمة، فبعد أن بين سبحانه شيئاً من صفات هؤلاء وأولئك، عطف على ذلك مخاطباً عباده المؤمنين بأداء الأمانة، والحكم بالعدل.




هذا ما نحا إليه الرازي وتابعه ابن عاشور في بيان مناسبة الآية لما سبقها من آيات. وقد ذكر أبو حيان وجهاً آخر للمناسبة بين الآية وما سبقها، وهو أن الله سبحانه لما ذكر وَعْد المؤمنين العاملين الصالحين، وذلك في قوله سبحانه: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} (النساء:57)، نبه سبحانه بعدُ على هذين الأمرين الشريفين: أداء الأمانة، والحكم بالعدل.




ومهما يكن الأمر، فإن الآية الكريمة أمرت بأمرين رئيسين: أحدهما: أداء الأمانة. وثانيهما: الحكم بالعدل. فأما بالنسبة لأداء الأمانة، فالذي اتجه إليه أغلب المفسرين هنا، أن الخطاب في الآية عامٌّ، يشمل جميع الناس، وأن المقصود بـ (الأمانة) مفهومها العام، الذي يشمل جميع الأمانات، وليس مفهومها الخاص، فهي تشمل الأمانة في العبادات، والأمانة في المعاملات، والأمانة الخاصة، والأمانة العامة، والأمانة مع المسلم ومع غير المسلم، ومع الصديق والعدو، ومع الكبير والصغير، ومع الغني والفقير.



يقول القرطبي بهذا الصدد: والآية "عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الحكومات...وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى".




ونحو هذا ما قرره الرازي من أن "معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه، أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة"، ثم شرع يفصل في معنى الأمانة في كل قسم من هذه الأقسام.




ويؤكد ابن عاشور هذا العموم والشمول، فيقول: "والخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب، والعمل به من كل مؤتمن على شيء".




وممن قال إن (الأمانة) في الآية عامة جمع من الصحابة، منهم: البراء بن عازب ، و ابن مسعود ، و ابن عباس ، و أبي بن كعب، قالوا: الأمانة في كل شيء: في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع. ورُوي في هذا المعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة.



وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة...)، وذكر منهن (أداء الأمانة)، فقيل: يا رسول الله! وما أداء الأمانة، قال: (الغسل من الجنابة، إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير" وإسناده جيد. وهذا يدل على أن المقصود من أداء الأمانة ليس معناها الخاص، بل معناها العام.



وإذا كان أكثر المفسرين قد ذهب إلى أن مفهوم الأمانة في الآية عام يشمل أمانة الدين والدنيا، فإن الطبري اختار أن الخطاب في الآية لولاة الأمور فحسب، قال بعد ذكره للأقوال التي قيلت في الآية: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره". ثم دلل على اختياره بالآية التالية لهذه الآية. غير أنه لم ينف جواز كون الآية عامة في أمانة الدين والدنيا.




ولا شك أن حمل الخطاب في الآية على العموم أولى، من حملها على ولاة الأمور فحسب؛ لأن الأصل في خطاب القرآن أن يكون عاماً، ولا يُخص إلا بدليل معتبر، يُخرج العموم عن دلالته. كما أن الحمل على العموم أقرب إلى قصد الشرع من وضع التكليف؛ وأيضاً فإن مجيء لفظ (الأمانة) بصيغة الجمع {الأمانات}، يدل على تعدد أنواعها، وتعدد القائمين بحفظها .    



ويتحصل على ضوء ما تقدم، أن المقصود بـ {الأمانات} في الآية العهود التي عُهد بها إلى الإنسان وأُمر بالوفاء بها، وهي عهود يتعهد بالتزامها، فتصير أمانات في ذمته.



ومن الآيات ذات العلاقة بموضوع أداء الأمانة، قوله سبحانه: {ولا تخونوا أماناتكم} (الأنفال:27)، وقوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} (البقرة:283)، وقوله عز وجل: {إن الله لا يحب كل خوان} (الحج:38).



ومن الأحاديث ذات الصلة بموضوع أداء الأمانة، قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)، رواه البخاري ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)، رواه مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، رواه أحمد وغيره.



ومن الآثار المتعلقة بموضوع الأمانة قول ابن عباس رضي الله عنهما: (لم يرخص الله لموسر ولا معسر أنْ يمسك الأمانة)، رواه الطبري، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قوله: (إنه تعالى خلق فرج الإنسان، وقال هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها)، ذكره الرازي في "تفسيره" من غير إسناد، وقال ميمون بن مهران: (ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الرحم توصل كانت برة أو فاجرة، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد يوفَّى به للبر والفاجر).




أما بالنسبة لما أمرت به الآية من الحكم بالعدل، وذلك قوله سبحانه: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، فإن هذا الأمر معطوف على سابقه، وهو يدل على وجوب الحكم بين الناس بالعدل.



و(العدل): هو المساواة بين الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه، وفق ما قرره الشرع الحنيف، قال السعدي: "المراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو: ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام". ويشمل (العدل) هنا ما هو مادي، كقسمة الأموال ونحوها، وما هو معنوي، كمعاملة الناس بخُلق حسن، دون تفريق بين غني أو فقير، أو كبير أو صغير. ومن ثَمَّ يقال في هذا الأمر الثاني ما قيل في الأمر الأول من حيث عموم الخطاب.



قال القرطبي: "وقوله سبحانه: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما في أداء الأمانات"؛ وعلى هذا ينبغي على ولاة الأمر أن يحكموا بالعدل بين رعيتهم، وعلى القضاة أن يحكموا بالعدل بين المتخاصمين إليهم، وعلى الآباء أن يحكموا بالعدل بين أبنائهم، وعلى الزوج أن يحكم بالعدل بين زوجاته، وعلى المعلم أن يحكم بالعدل بين طلبته، وعلى الرئيس أن يحكم بالعدل بين مرؤوسيه، وهلم جرًّا.




ومن الآيات ذات الصلة بموضوع العدل، قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل} (النحل:90)، وقوله سبحانه: {وإذا قلتم فاعدلوا} (الأنعام:152).



وفي موضوع العدل، جاء حديث الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم: ( إمام عادل )، رواه البخاري، وحديث عبادة ابن الصامت رضي الله عنه، وفيه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة...وعلى أن نقول بالعدل أين كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)، رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل)، رواه الترمذي، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال هذه الأمة بخير، ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت)، رواه أبو يعلى في "مسنده".


ثم  ها هنا بعض وقفات لا ينبغي أن يُغفل عنها في هذا السياق:




الوقفة الأولى: جاء ختم الآية الكريمة في غاية التناسب مع مضمونها؛ وذلك أن الآية لما أمرت بأداء الأمانة، وبالحكم على سبيل العدل، ختمت بقوله سبحانه: {إن الله كان سميعا بصيرا}، أي: إذا حكمت بين الناس فهو سميع لكل حكم تحكم به عدلاً أو جوراً؛ وإن أديت الأمانة فهو بصير بكل فعل تقوم به، إحساناً أم خيانة. وهذا الختام للآية يتضمن وعد المطيع بالثواب، ووعيد العاصي بالعقاب.





الوقفة الثانية: جاء في الآية نفسها قوله سبحانه: {إن الله نعما يعظكم به}، قال ابن عاشور ما حاصله: هذه الجملة واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر الذي جاءت به الآية، فكانت بمنـزلة التعليل؛ أي: أنه سبحانه يعظ عباده ويحثهم على الانقياد لأمره، والعمل على وفق شريعته، وأنه لا يأمرهم إلا بما هو خير ومصلحة لهم في دينهم ودنياهم.  




الوقفة الثالثة: ذكر ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار؛ ويؤيده ما نقله ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: هي للبر والفاجر.




الوقفة الرابعة: أن ثمة علاقة وثيقة بين العدل وأداء الأمانة؛ إذ هما أمران متلازمان، فأداء الأمانة إلى أهلها عين العدل، وجحدها على صاحبها هو عين الجور؛ وأيضاً فإن الحكم بين الناس بالعدل هو أداء للأمانة التي حُمِّلها الحاكم، وبالمقابل فإن ظلم العباد هو جحد للأمانة وتفريط فيها.









[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #34 في: أيار 01, 2012, 01:09:53 مسائاً





يعظكم لعلكم تذكرون


قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل:90).






آية في القرآن قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: (إنها أجمع آية في القرآن)، وأمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بتلاوتها في الخطبة يوم الجمعة؛ وقال في حقها قتادة: (إنه ليس من خُلُقٍ حَسَن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه، إلا أمر الله به، وليس من خُلُقٍ سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه)، وبنى على أساسها سلطان العلماء العز بن عبد السلام كتاباً سماه (شجرة الأحوال والمعارف)، ووصف تلك الآية بأنها اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية، تلك الآية هي قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل:90).


والمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أنها جمعت في ألفاظها ونظمها ما يتصل بالتكليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً؛ وإذ هي كذلك، فكان من المهم أن نسلط الضوء عليها، وذلك بكشف معاني ألفاظها، والوقوف على فوائدها، وذكر شيء مما يتصل بها من أحاديث نبوية.


(العدل) في اللغة: الإنصاف، يقال: عدل الشيءَ عدلاً: أقامه وسوَّاه، وعادل بين الشيئين: وازن، وأصله التوسط بين الإفراط والتفريط؛ فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل. وهو في الشرع: القضاء بالحق، وإعطاء كل ذي حق حقه.

و(الإحسان): مصدر أحسن، يقال: أحسن الشيء: إذا أجاد صنعه وأتقنه؛ وأحسن إليه:  إذا فعل ما هو حسن. ومن معانيه الشرعية: الصبر على أمر الله ونهيه، وطاعته في السر والعلن.


و(الإيتاء): الإعطاء، يقال: آتى فلان فلاناً: أعطاه. وهو في الشرع: الصدقة.  


و(ذو القربى): الأقارب في النسب. وهم في الشرع: كل من كان ذا قرابة محتاج.  


و(الفحشاء) لغة: الفُحش، يقال: فَحَشَ القول والفعل فُحشاً: اشتد قبحه. وفَحَشَ الأمر: جاوز حدَّه. والفاحشة: القبيح من قول أو فعل. وهي في الشرع: كل ذنب عظيم استفحشه الشرع، كالإشراك بالله، والقتل، والزنا، ونحو ذلك.  


و(المنكر): اسم مفعول أنكر، وهو كل ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه. وهو في الشرع: ما أنكره الشرع ونهى عنه، وتوعد فاعله العقاب.


و(البغي): مجاوزة الحدِّ والاعتداء، يقال: بغى فلان بغياً: إذا جاوز الحد، وتسلط وظلم، والباغي: الظالم المستعلي. وهو في الشرع: تجاوز حدود الشرع أمراً ونهياً.  


و(الوعظ): الوصية والنصيحة بالخير، من يَعِظُ وعظاً وعِظَة: إذا نصحه وذكَّره بالعواقب، وأمره بالطاعة، ووصَّاه بها. وهو في الشرع: الترغيب بما رغَّب الشرع به، والترهيب مما رهَّب الشرع منه .  


ثم إن المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه الطبري، أن (العدل) في هذه الآية: شهادة أن لا إله إلا الله؛ و(الإحسان): أداء الفرائض.


والمروي عن سفيان بن عُيينة أن (العدل) في الآية: استواء السريرة والعلانية في العمل لله؛ و(الإحسان): أن تكون سريرته أحسن من علانيته؛ و(الفحشاء والمنكر): أن تكون علانيته أحسن من سريرته .


وبحسب المعنى اللغوي والشرعي لهذين اللفظين، تكون عبادة الخالق دون المخلوق عين الإنصاف والقسط. فمن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات: (أفلح إن صدق)، متفق عليه، أي: إذا أتى بما فُرض عليه على الوجه الأكمل، يكون قد أدى ما عليه .


ومن اللطائف والفوائد التي تذكر حول هذه الآية نشير إلى ما يلي:


أولاً: أن الآية على علاقة وثيقة بالآية التي قبلها والآية التي بعدها؛ أما الآية التي قبلها فهي قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل:89)، فذكرت هذه الآية على وجه الإجمال أن القرآن بيَّن أحكام الشريعة كلها، ثم جاءت الآية التالية لتفصِّل ما أجمل في تلك الآية، وذلك من خلال تبيان أصول التشريع للدين الإسلامي العائدة إلى الأمر والنهي؛ إذ الشريعة - كما يقول ابن عاشور - أمر ونهي كلها، والتقوى منحصرة في الامتثال والاجتناب، فجاءت الآية استئنافاً لبيان كون الكتاب تبياناً لكل شيء، فهي جامعة أصول التشريع.


وأما الآية التي بعدها فقوله سبحانه: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان} (النحل:91)، فهذه الآية تفصيل وتفريع على الآية التي معنا، وإن شئت قل: إن قوله سبحانه: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، مقدمة وتمهيد لقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله}، وبذلك ارتبطت الآيات بعضها ببعض بأوثق رباط.


ثانياً: أن الآية الكريمة أمرت بقضيتين كليتين، وقضية جزئية؛ بالمقابل نهت عن قضيتين كليتين، وقضية جزئية؛ وذلك أنها أمرت {بالعدل والإحسان}، وهما قضيتان كليتان، يشملان كل شيء، ويدخل فيهما كل خير، فما من عمل قلبي أو حسي، إلا ويدخله العدل والإحسان، وما من قول يقوله الإنسان، إلا ويدخله العدل والإحسان، وهما مأمور بهما في كل المجالات، ومطلوبان في كل الحالات، وينبغي مراعاتهما على كل الأحوال.


أما قوله سبحانه: {وإيتاء ذي القربى}، فهو قضية جزئية، بدليل أن (إيتاء ذي القربى) داخل في العدل والإحسان؛ إذ التصدق على الأقارب ومواساتهم من العدل والإحسان الذي أمر الله به.


وأيضاً، فإن النهي عن {الفحشاء والمنكر} نهي عن قضيتين كليتين؛ إذ هما تجمعان الشرور والمفاسد كلها، ما ظهر منها وما بطن، اعتقاداً وعبادة وسلوكاً، سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة .


أما النهي عن (البغي)، فهو قضية جزئية؛ إذ هو داخل في الفحشاء والمنكر، ومصنف تحت لوائهما.


ثالثاً: هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهي قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل أمر مشتمل على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى، فهي مما أمر الله به؛ وكل أمر مشتمل على فحشاء أو منكر أو بغي، فهي مما نهى الله عنه. وبهذه الآية يُعلم حُسْن ما أمر الله به، وقُبْح ما نهى عنه، وبها يُعتبر ما عند الناس من الأقوال والأفعال، وترد إليها سائر الأحوال.


 رابعاً: أن (العدل) في الآية أصل جامع للحقوق الشخصية والحقوق العامة، فالمسلم مأمور بالعدل في نفسه، وذلك بتزكيتها والارتقاء بها نحو كل ما هو خير وفضيلة؛ ومأمور بالعدل في المعاملة مع بني جنسه معاشرة ومخالطة، وذلك في الأقوال والأفعال، وفيما هو مادي كالأموال، وفيما هو معنوي كالنصح وحقوق الأخوة الإسلامية والإنسانية؛ ومأمور قبل هذا وذاك بالعدل في المعاملة مع خالقه بالاعتراف له بصفاته وبأداء حقوقه.


خامساً: خص سبحانه إيتاء المال إلى ذي القربى بالذكر من بين جنس العدل وجنس الإحسان؛ تنبيهاً للمؤمنين بأن القريب أحق بالإنصاف من غيره؛ وذلك أنهم في الجاهلية كانوا يصرفون معظم إحسانهم إلى الأبعدين، طلباً للسمعة والذكر الحسن، ولم يزل هذا الخلق متفشياً في الناس حتى يومهم هذا، حيث لا يكترثون بالأقربين، فجاءت الآية على ما رأيت تنبيهاً لهذا الأمر.


خامساً: عطف (البغي) على المنكر في الآية مع أنه داخل في المنكر، من باب التنبيه عليه اهتماماً باجتنابه، قال ابن عاشور : " وخص الله بالذكر نوعاً من الفحشاء والمنكر، وهو البغي اهتماماً بالنهي عنه، وسداً لذريعة وقوعه؛ لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب، وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فشوه بين الناس؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس وشجاعة وإباء، فكان يكثر فيهم البغي على الغير، إذا لقي المعجب بنفسه من أحد شيئاً يكرهه أو معاملة يعدها هضيمة وتقصيراً في تعظيمه".


سادساً: أمرت الآية بأمور ثلاثة: (العدل)، و(الإحسان)، و(إيتاء ذي القربى)؛ ونهت عن أمور ثلاث: (الفحشاء) و(المنكر) و(البغي)، ثم إن المأمورات الثلاثة قد جاء الأمر بكل واحد منها على انفراد؛ وذلك في قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة:8)، وقوله سبحانه: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة:195)، وقوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} (الإسراء:26) .


ومن الآيات التي جمع الله فيها بين الأمر بالعدل والإحسان قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} (النحل:126)، فالمعاقبة على العقاب عدل، والصبر على العقاب إحسان. ومثله قوله سبحانه: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} (الشورى:40)، فالمجازاة عن السيئة عدل، والعفو عنها إحسان.


ومن الآيات التي جمع فيها سبحانه النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي قوله: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} (الأنعام:151)، و(المنكر) و(البغي) وان لم يصرح بهما في هذه الآية، فهو داخل بعموم لفظ (الفواحش).  


سابعاً: قد يقول قائل: إن ختام الآية لا يناسب مطلعها؛ وذلك أن الآية خُتمت بـ (الوعظ)، وذلك قوله سبحانه: {يعظكم لعلكم تذكرون}، بينما جاء مطلعها بالأمر والنهي، والمعروف أن (الوعظ) يكون بالترغيب والترهيب، لا بالأمر والنهي؟


أجاب الشنقيطي على هذا الملحظ بأن ضابط الوعظ: هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه؛ فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه، فحملهم دافع الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفاً وطمعاً؛ لذلك قيل: الخوف سوط سائق، والرجاء حادٍ قائد.  


فإذا انعطفنا على الأحاديث المروية المتعلقة بهذه الآية، وجدنا من ذلك ما يلي:  


- قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)، رواه الترمذي وابن ماجه ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فالحديث يتعلق بالنهي عن البغي.  

- وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويكره سفسافها) رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما. والحديث يبين ما له علاقة بالإحسان من معالي الأخلاق، وما له علاقة بالمنكر من سفساف الأمور.  


- وعن علي رضي الله عنه، أنه مرَّ على قوم يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أوما كفاكم الله في كتابه إذ يقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، فـ (العدل): الإنصاف، و(الإحسان): التفضل، فما بعد هذا ؟ ذكره في "كنـز العمال"، وقال: رواه ابن النجار.


- وعن الحسن البصري قال: (إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه )، رواه البيهقي في "شعب الإيمان".  


أخيراً، روي أن جماعة اشتكت إلى أبي جعفر المنصور واليها، فأقام الوالي الحجة عليها، وغلبها بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم، ولا كثير جور، فقام فتى من القوم، فقال: يا أمير المؤمنين! {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، وإن والينا عدل بيننا، ولكنه لم يحسن، فعجب أبو جعفر من إصابة الفتى، وعزل الوالي.




[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #35 في: أيار 16, 2012, 04:53:55 مسائاً






ليحملوا أوزارهم ... ومن أوزار الذين يضلونهم




 قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم} (النحل:25)



من المعلوم بالضرورة في شرائع السماء عموماً، وفي شريعة الإسلام على وجه الخصوص، أن الإنسان لا يعاقب على ذنب فعله غيره، ولا يحاسب على جرم اقترفه إنسان آخر؛ ونصوص القرآن في تقرير هذا المعنى عديدة، من ذلك قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (البقرة:286)، وقوله سبحانه: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام:164)، وقوله تعالى: {لتجزى كل نفس بما تسعى} (طه:15)، ونحو ذلك من الآيات.

ومقابل هذه الآيات التي تقرر أن المسؤولية العقابية لا يتحملها إلا الفاعل نفسه، نجد من الآيات التي تقرر أن صاحب الذنب قد يعاقب على ذنب فعله غيره؛ من ذلك قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم} (النحل:25)، وقوله سبحانه: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} (العنكبوت:13)، فهاتان الآيتان يفيد ظاهرهما أن بعض الناس سوف يعاقبون على أفعال ارتكبها غيرهم، ولم يرتكبوها أنفسهم، الأمر الذي يوحي بأن ثمة تعارضاً بين الآيات النافية لتحمل آثام الآخرين، والآيات المثبتة لذلك.

ولا شك، فإن كتاب الله أجلُّ وأعظم من أن يتضمن تعارضاً بين آياته؛ إذ هو من عند الله سبحانه، {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} (فصلت:42). وما يبدو من تعارض بين آياته إنما مرده لمحدودية عقل الإنسان فحسب، وواقع الأمر ألا تعارض.

وقد أجاب العلماء على ما يبدو من تعارض بين الآيات بأن قالوا: إن الأصل في الحساب والعقاب يوم القيامة أن لا يحمل الإنسان تبعات غيره؛ لأن هذا يتنافى مع مبدأ العدل الذي أقرته شرائع السماء كافة، غير أن هذا الأصل قد يطرأ عليه ما يكون استثناء منه لسبب يقتضي ذلك، على ما سنبينه قريباً.

ونحن نمثل لذلك بمثال من واقع الناس فنقول: لو أن شخصاً ما حرَّض شخصاً آخر على قتل إنسان ما، فاستجاب هذا الشخص لهذا التحريض، وقام بقتل ذلك الإنسان، فإن القضاء هنا يعاقب الفاعل المباشر وهو القاتل، ويعاقب الفاعل غير المباشر أيضاً، وهو المحرض على القتل. وليس من العدل أن يقال هنا: إن العقاب يجب أن ينصب على الفاعل المباشر دون المحرض؛ لأن المحرض - باعتبار ما - يُعتبر متسبباً في القتل من جهة أنه حرض ذلك الشخص، ودفعه إلى مباشرة القتل، ولولا ذلك التحريض لما وقع القتل. وعليه فلا يصح إسناد فعل القتل هنا للفاعل المباشر دون المحرض؛ إذ لو صح ذلك لكان ذلك الحكم جائراً غير عادل.

وما نحن فيه من الآيات لا يبعد كثيراً عما مثلنا به آنفاً؛ وذلك أن تلك الآيات تفيد تحمل العقاب على فعل فعله آخرون؛ وذلك باعتبار أن هؤلاء الحاملين لأوزار غيرهم إنما نالوا هذا العقاب من جهة أنهم كانوا السبب وراء من ضل عن سبيل الله، فنالهم العقاب بهذا الاعتبار، فكان العدل تحميلهم تبعات ما قاموا به من إضلال لغيرهم.

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا أن ما يحمله المضلون من أوزار غيرهم يعفي الضالين من الحساب والعقاب، بل كلا الفريقين محاسب جراء عمله، فالمضلون يحملون أوزار من أضلوهم، ويعاقبون على ذلك بسبب إضلالهم إياهم، والضالون يحملون أوزار أنفسهم جراء اتباعهم لأولئك المضلين.

وقد روي عن مجاهد في قوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}، قال: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

على أننا لو دققنا النظر في الأمر لتبين لنا أن ما يحمله المضلون من أوزار الضالين هو في الواقع نتيجة عملهم وكسبهم؛ إذ لما كان هؤلاء المضلون سبباً مباشراً لضلال أولئك الأتباع، صح أن يعاقبوا ويحاسبوا على فعل كانوا هم السبب في وجوده وتحقيقه، فكان ما حملوه من عقاب ليس بسبب فعل قام به غيرهم، وإنما بسبب فعل قاموا به بأنفسهم، فوضح بذلك أن العقاب نالهم بما كسبت أيديهم، لا بما كسبه غيرهم.

وقد ورد في السنة ما يدل على ما تقدم بيانه؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطؤوا عنه، حتى رئي ذلك في وجهه، ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من وَرِق - فضة -، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء).  

وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) رواه مسلم.

فهذا الحديثان يدلان دلالة واضحة على ما كنا بيناه سابقاً، من أن الإنسان يتحمل مسؤولية عمله، إذا كان لعمله أثر مباشر أو غير مباشر على غيره.

وتأسيساً على ما سبق بيانه، فمن كان إماماً في الضلالة ودعا إليها، واتبعه الناس عليها، فإنه يحمل يوم القيامة وزر نفسه، ووزر من أضله من الأتباع، من غير أن ينقص من وزر الضالين شيء.

وعلى ضوء ما تقدم، يتبين أن الأصل الذي ذكرناه بخصوص الحساب والعقاب ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بحيث لا يكون لفعل الإنسان أثر على غيره، فإن كان ذلك كذلك كان مشتركاً في الحساب والعقاب، من جهة أنه كان سبباً. فوضح بهذا التقرير ألا تعارض حقيقي بين تلك الآيات.





[/COLOR][/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #36 في: أيار 21, 2012, 03:36:38 مسائاً





إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا









قال تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} (الفرقان:30)


روى مالك في "موطئه" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه)، فكتاب الله هو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو النور المبين.



لقد نزل هذا القرآن ليكون منهج حياة، ودستور أمة، ونموذجاً واقعياً للتطبيق العملي، تنمو الحياة في ظله وتترقى، لا ليقبع في الزاوية الضيقة من الحياة، كما تقبع الأبحاث النظرية في زوايا الجامعات ومراكز الأبحاث.



نزل هذا القرآن، ليميز الأمة المستخلَفة في الأرض، الشاهدة على الناس، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى خالقها وبارئها. فكان تحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان، وفي الأهداف والتوجهات. وهو - كذلك - الذي يمنحها مكان القيادة الذي خُلقت له، وأُخرجت للناس من أجله. وهي بغير هذا القرآن ضائعة تائهة، مبهمة الملامح، مجهولة السمات، مهما اتخذت لها من زخارف الحياة ومباهجها!



نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليبني عقيدة التوحيد في قلوب الأمة، وليخوض بهذه العقيدة معركة الحق والباطل، والهدى والضلال.



ولقد حقق القرآن بمنهجه الرباني خوارق في تكييف نفوس الصحابة رضي الله عنهم، الذين تلقوه مرتلاً متتابعًا، وتأثروا به يومًا يومًا، وانطبعوا به، وعملوا به في كل شؤون حياتهم.



أما اليوم فقد هجر المسلمون هذا القرآن، واتخذوه كتاب متعة للثقافة، وكتاب تعبد للتلاوة فحسب، لا منهج تربية وسلوك، ودستور حياة للعمل والتطيبق؛ وقد جاء ليقودهم إلى الطريق الأقوم والأرشد؛ هجروه فلم ينتفعوا من القرآن كما ينبغي؛ لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير؛ فالقرآن إنما نزل للعمل أولاً، ولتحكيمه في شؤون الحياة كافة، فهذا هو المقصد الأساس من نزوله، وهذا هو المبتغى من تكفُّل الله بحفظه.



وترك العمل بالقرآن والإعراض عنه نوع من أنواع هجره، بل هو أعظم أنواع الهجر، الذي حذرنا الله منه وذم فاعله، قال تعالى: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} (الفرقان:30)؛ ففي هذه الآية أعظم تخويف لمن هجر القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، والآداب والمكارم، ولم يعتقد بما فيه من العقائد والأحكام، ولم يعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال.



وقد ترتب على هجر المسلمين للقرآن تبعات عديدة ونتائج خطيرة، على المستويات كافة:




فعلى مستوى الأفراد، أصبح سلوك كثير من المسلمين، لا يمت إلى أخلاق القرآن بصلة، بدءًا بترك تحية الإسلام إفشاءً وردًا، ومرورًا بالتحاسد والتنابذ بالألقاب والسخرية من بعضهم البعض، وانتهاء بالتعامل بأنواع الحرام، من رباً وزنى، وأكل لأموال الناس بالباطل، ونحو ذلك من المحرمات التي نهى الله عنها في كتابه الكريم.



وكان من تبعات هجر القرآن على مستوى الأفراد أيضًا، هجر لغة القرآن والزهد فيها، والرغبة عنها، والأخذ بلغة أولئك القوم؛ لأنها لغة العصر والمعاصرة، وسبيل التطور، ومظهر من مظاهر الرقي والحضارة!! فأنت ترى أحدهم يتفاخر ويتباهى أنه يرطن  بلغة الأعاجم، ولم يعد يعتمد العربية في كلامه، بل ربما يخجل أن يتكلم بها؛ لأنها - بحسب زعمه - لغة ميتة لا حياة فيها، ولأنها لا تناسب تطورات العصر ونهضته!



ثم إن هؤلاء الأفراد - فوق ذلك - قد جعلوا من أهل الغرب قدوتهم، ومن سلوك أولئك القوم وجهتم؛ فهم يقلدونهم في الصغيرة والكبيرة من الرذائل، وفي القبيح والمذموم من العادات والصَّرْعات؛ فإن أطالوا شعورهم، كان على هؤلاء أن يفعلوا الشيء نفسه، وإن كشف أولئك القوم عوراتهم وأظهروا سوآتهم! وقس على ذلك أنواع السلوك الأخرى، من الاختلاط بين الجنسين، والزواج بين المثلين، والعلاقات المحرمة والشاذة التي يأباها وينفر منها وعنها، كل من بقي على فطرته السليمة.



وكان من تبعات هجر القرآن على مستوى المؤسسات التعليمية، ما تقوم به المؤسسات التعليمية اليوم في بعض دولنا الإسلامية من إعادة النظر في المناهج الشرعية، ومن ثم صياغتها وتعديلها وفق المقياس الغربي.



وقد وصل الأمر أن يُفرض على المسلمين تغيير مناهجهم التربوية والتعليمية، بما يوافق ويتفق مع توجهات وسياسات وأطماع الدول الكبرى، وكل هذا من تبعات هجر القرآن، وتسليم الأمة قيادها لغير شريعة القرآن.



أما على المستوى الاجتماعي والأسري، فحدث ولا حرج، حيث أخذت الدعوات من هنا وهناك تنطلق بأعلى صوتها، مطالبة إلى تحرير المرآة وفك أسرها، وداعية - بما أوتيت من قوة وزخم ودعم إلى استرداد حقوق المرأة التي اغتصبها منها الرجل والمجتمع في آن معًا! فكان من تبعات هجر القرآن على هذا المستوى، خروج المرأة من بيتها تزاحم الرجل، وتقاسمه مجالات العمل، بعد أن تركت عملها الأساس؛ وما تبع ذلك من اختلاط في مرافق الحياة كافة، بدءًا بالأُسر المسلمة، ومرورًا بالشوارع والنوادي الرياضية، وانتهاء بالجامعات ومراكز العلم، وكل هذا جرى بدعاوى التحرر والتقدم.



أما على مستوى الدول والحكومات فالأمر أدهى وأمرُّ، والخَطْب أعظم وأجلُّ، فقد أصبح القرآن - ممثلاً بشريعة الإسلام - مصدرًا من مصادر التشريع لأكثر دول الإسلام، ولم يعد هو المصدر الوحيد لتشريعاتها وقوانينها، بل أصبح مصدرًا رديفًا ومساويًا لمصادر الغرب والشرق!!



وحتى هذه المشاركة (الخجولة) للقرآن في معظم دساتير دول الإسلام، قد انحصرت شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح مجالها في زاوية ضيقة من زوايا الحياة، هي زاوية قوانين الأحوال الشخصية. ولم يُكتف بهذا فحسب، بل أصبحت قوانين الأحوال الشخصية في كثير من دول الإسلام، تكيف وتعدل بحسب ما تقتضيه طبيعة العصر وحاجته؛ كمنع تعدد الزوجات، أو وضع شروط لهذا التعدد.



وهكذا، فقد كان من أكبر تبعات هجر القرآن، ترك شرائع الأرض تحكم وتتحكم بشريعة السماء، وترك أهل الأهواء والشهوات يسيِّرون أمر من كان يُفترض منهم أن يكونوا شهداء على الناس.



هذه بعض من كل من تبعات هجر القرآن؛ وقد آن الأوان لهذه الأمة - أفرادًا ومؤسسات - أن تعود إلى قرآنها بعد تلك القطيعة التي طال بها الزمن، والتي حذر منها سيد البشر؛ وأن تعود إلى رشدها، بعد ذلك الفصام النكد بينها وبين قرآنها، وجعل منها أمة لا وزن لها بين الأمم.



ولا شك، أن المخرج من هذه التبعات معروف للجميع، للعالم والجاهل، والصغير والكبير، وهو العودة إلى كتاب الله، وهذا كلام سهل ويسير، والأهم والأجدر قبل هذا وبعده هو العمل والتطبيق، والانتقال من حيز القول إلى حيز الفعل، فهل إلى مرد من سبيل ؟ ويبقى الأمل بشرط العمل.









[/SIZE][/COLOR]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #37 في: أيار 29, 2012, 05:07:05 مسائاً






متى نصر الله


قوله تعالى: {متى نصر الله} (البقرة:214)





في ظل هيمنة الباطل وانتشار سطوته على الأمم والشعوب، مع ما يقابله من استضعافٍ للأمم المسلمة، وانحسار نورها وخفوته، تتطلع كل نفس مؤمنة إلى ذلك اليوم الأبلج، الذي ترتفع فيه راية التوحيد خفاقةً في أرجاء المعمورة، وتنتشر فيه أنوار الحق تضيء للعالم الذي أثقلته قيود الكفر والطغيان.




ولكي تتحقق هذه الأماني الغالية يجب علينا أن نتلمّس طريق النصر والخلاص من هذا الواقع الكئيب، ولا يكون ذلك إلا بالعودة إلى كتاب الله تعالى؛ لنأخذ منه السنن الكونية والنفسية لتحقيق الأمل المنشود؛ فلذلك: اخترنا في هذا الصدد آيةً عظيمةً من كتاب الله تعالى، تصور حال الفئة المؤمنة وقت الشدة والأزمات، وهي قوله تعالى: {متى نصر الله} (البقرة:214)؛ لتكون منطلقاً للحديث عن هذه القضية المهمة.



يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (البقرة:214) هذه الآية الكريمة نزلت يوم الخندق، حينما عانى المسلمون أقسى لحظات الأذى النفسي والجسدي من البرد وضيق العيش، وتكالبت قوى الكفر عليهم لتزيل وجودهم، وتجعلهم أثراً بعد عين، وليس أبلغُ في وصف حالهم من قوله تعالى: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتليَ المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} (الأحزاب:10-11) وبالرغم من ذلك الهول الذي واجهه المسلمون فقد صبروا على ما أصابهم، وأدّوا ما أمرهم الله حتى جاءهم النصر المبين، واندحرت جيوش الكفر تجرّ أذيال الهزيمة، وتتجرّع كؤوس المهانة، وكانت تلك الواقعة درساً عظيماً للأمة المسلمة، كشفت بجلاء عن حقيقة النصر، والسبل التي تؤدي إليه.




ومن خلال فَهْمنا لذلك الدرس، نستطيع أن نجيب على تلك التساؤلات التي يرتفع صوتها بين الحين والآخر قائلةً: "أما آن للظلم أن يندحر؟ أما آن للقيد أن ينكسر؟ متى يأتي ذلك اليوم الذي يبزغ فيه فجر الإسلام، ويزول فيه ليل الظلم والطغيان؟" أسئلة كثيرة تدور في الأذهان، وجوابها أن الله تعالى قضى بحكمته أن تكون المواجهة بين الحق والباطل سنةً كونيةً من سنن الحياة منذ عهد أبينا آدم عليه السلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، لكن العاقبة للمتقين، والغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي هذا يقول الله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} (المجادلة:21) وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون} (الصافات:171-173) وبشّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك، فعن تميم الداري رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) رواه أحمد في "مسنده" والبيهقي في "سننه".




وهذا النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين ليس مقتصراً على الدنيا فحسب، كما دلّ عليه قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (غافر:51) وقد يتساءل البعض فيقول: "قد عُلِمَ أن بعض الأنبياء قتله قومه، كيحيى وزكريا عليهما السلام، ومنهم من ترك قومه مهاجراً كإبراهيم عليه السلام، فهل يتعارض ذلك مع ما جاء في الآية السابقة ؟ " والجواب البديهي والسريع على ذلك أن نقول: لا تعارض في ذلك أبداً؛ وذلك لأن الانتصار لأولئك الأنبياء قد حصل بعد مماتهم، كما فعل الله بقتلة يحيى وزكريا عليهما السلام، فقد سلّط الله عليهم من أعدائهم من يهينهم ويسفك دمائهم، وأما النمرود فقد أخذه الله أخذ جبّار منتقم، وانتصر الله لنبيه إبراهيم عليه السلام، وتحقق بذلك موعود الله تبارك وتعالى، وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي ولياً فقدآذنته بالحرب) رواه البخاري، وهكذا نصر الله أنبياءه على من خالفهم وكذبهم، وجعل كلمته سبحانه هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأنجى الله تعالى المؤمنين من بين أظهرهم، ونصرهم على عدوهم.




ما سبق كان جواباً سريعاً وبدهيّاً يحسنه كل أحد، ولكن ليس هذا هو مكمن الأمر، وحقيقة السر، لقد أخبرنا الله عزوجل بقصة أصحاب الأخدود، حين قال تعالى في محكم كتابه: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} (البروج:10) إنها نهاية مؤلمة يتفطّر لها قلب كل مؤمن، ولا يملك عينه من الدمع عندما يتراءى له ذلك المشهد أمام مخيّلته، وبالرغم من ذلك لم يخبرنا الله تعالى بأنه أرسل جنوداً من السماء على أولئك القتلة المجرمين، ولم يخبرنا أيضاً بأنه خسف بهم الأرض أو أرسل عليهم حاصباً، كل هذا لم يخبرنا الله به، فأين النصر؟!! إن الله عزوجل يريد أن يعلم الأمة درساً عظيماً، وأمرا جليلاً، ألا وهو: أن النصر لا يكون بالأسباب الظاهرة، والعقوبات العاجلة فحسب، لكن حقيقة النصر الثبات على المبادئ.



إن أولئك الشهداء المؤمنين قد انتصروا في حقيقة الأمر؛ لأنهم استطاعوا أن يثبتوا على مبدأ الإيمان مع كل تلك الخطوب العظيمة، والآلام الجسيمة، تلك هي حقيقة النصر التي يجب أن تتعلمها الأمة وتعيها جيداً.



على أن هذا النصر الظاهر قد يتأخر، ويستبطئه المؤمنون؛ لحكمة يريدها الله، ولأسباب لا يعقلها إلا من وهبه الله نظراً ثاقباً وفهماً عميقاً للأمور والأحداث، ومن تلك الأسباب كون الأمة الإسلامية غير مؤهلة لحمل راية الإسلام، فلو نالت النصر لفقدته سريعاً، لعدم قدرتها على حمايته طويلاً، وقد يبطيء النصر لأن الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يزيدوا صلتهم بالله، ويجردوا نواياهم من كل ما يشوبها من حب للظهور أو طلبٍ لأطماع دنيوية أو مآرب شخصية، فإذا توافرت أسباب النصر عند الأمة كانت الأمة جديرة بنصر الله تعالى لها، ومن ناحية أخرى قد يتأخر النصر؛ لأن الباطل الذي تحاربه الفئة المؤمنة لم تنكشف حقيقته للبسطاء من الناس، وبالتالي لم يقتنعوا بعدُ بفساده، وضرورة زواله، فيحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت والجهد لكشف زيفه، وبيان بطلانه، كي يتقبّل الناس ذلك النصر، ويكون له أعظم الأثر في نفوسهم بعدما تبيّنت لهم حقيقة الباطل، وأثره السيء على دينهم ودنياهم. فإذا غلبه المؤمنون حينئذٍ لم يجد من يذرف الدموع عليه، ويأسف على زواله.




وخلاصة القول: إن الله سبحانه وتعالى سوف يعلي كلمته، وينصر دينه، ولن يتم ذلك إلا بالأخذ بأسباب النصر، وعوامل تحققه، ومهما طال ليل الهزيمة، فإن فجر النصر آت بإذن الله ووعده، وحينئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، ويتم الله الأمر لهم، وتنتشر الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله تعالى أن يرينا ذلك اليوم، وما ذلك على الله بعزيز.








[/SIZE][/COLOR]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #38 في: حزيران 14, 2012, 12:44:13 مسائاً





اقرأ وربك الأكرم



قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم} (العلق:1-3).






الآيات الخمس الأُوَل من سورة (العلق) أول ما نزل من القرآن، في قول أكثر المفسرين، نزل بها جبريل الأمين على النبي خاتم المرسلين، عليه الصلاة وأتم التسليم، وهو قائم في غار حراء يتعبد.



ومع أن هذا النص القرآني الكريم قد صِيغَ بعبارات وجيزة، وكلمات بليغة، غير أنه تضمن من الحقائق والمعاني الكثير، وهو ما نحاول بسط القول فيه في هذه السطور:


روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فجاءه المَلَك، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم} (العلق:1-3).



وافتتاح السورة بكلمة {اقرأ} إيذان بأنه صلى الله عليه وسلم سيكون قارئًا، ومن ثَمَّ هو خطاب لأمته من بعده لتقوم بهذا الأمر الذي هو مفتاح كل خير.



ويُلْحظ في الآيات الكريمة تكرار لفظ {اقرأ} مرتين، ولهذا التكرار وظيفته في الخطاب القرآن، وهو يدل هنا على أمرين اثنين، يفيدهما السياق الذي وردت فيه الآيات:


الأول: ارتباط القراءة والأمر بها بنعمة الخلق والإيجاد؛ وهذا مستفاد من قوله سبحانه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق}.



والثاني: ارتباط القراءة بنعمة الإمداد والإكرام، وهذا مستفاد من قوله تعالى: {اقرأ وربك الأكرم}.


والمعنى وَفق هذا الارتباط المشار إليه: أن الذي خلق الإنسان يأمره بالقراءة؛ لأنها حق الخالق، إذ بها يُعرف؛ وإن ممارسة هذه القراءة هي صورة من صور الشكر للخالق، لأنها قراءة لاسمه، وباسمه، ومع اسمه {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إذ إن غاية القراءة معرفة الله تعالى، ووسيلتها النظر والتحري في آياته سبحانه المقروءة والمنشورة.


ثم إن (الواو) في قوله سبحانه: {اقرأ وربك الأكرم} أقرب ما تكون إلى معنى المعية، ذلك أن القارئ باسم الله لا يقرأ وحيدًا دون مساعدة، ومعونة ربانية، وإنما يقرأ بعين وعون من الله سبحانه {اقرأ وربك الأكرم} فهو معك يُعينك، يهديك، يصنعك {ولتصنع على عيني} (طه:39)، وكرمه سبحانه من رحمته، وهذه الرحمة تتجلى في نعمة التعليم بعد الخلق، وهكذا تتلازم صفتا العلم والرحمة منذ بداية الوحي القرآني إلى منتهاه.



وإذا كان المعنى الأصلي للقراءة الجمع، فهي إذن قراءة جامعة لكل الخير والبر والإحسان والعرف والمعروف والصدق والحق والهدى والنور والرشاد في القرآن.



ثم إن الأمر بالقراءة جاء عامًا في الموضعين من السورة الكريمة، دون تحديد لطبيعة المقروء، وقد ذهب المفسرون إلى حصر المفعول بالقرآن، على معنى: اقرأ ما أُنزل عليك من القرآن؛ وإذا صح لنا الأخذ بعموم اللفظ، جاز لنا القول: إن الأمر بالقراءة يفيد قراءة كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنشور (الأكوان).



واعلم أن للعلماء توجيهات وآراء في معنى الباء الواردة في قوله تعالى: {باسم ربك} نمسك عن الخوض فيها، إذ ليس المقام مقامها.


ويحسن القول هنا: إن الأمر بالقراءة ابتداء يجب اعتباره أهم وأكبر مفصل من مفاصل التاريخ البشري، ولهذا دلالته في تاريخ الأمم والشعوب، كما لا يخفاك.



وأنت خبير أن القراءة في كتاب الله المسطور، لا تنفصل في وجودها وأهميتها عن الكتابة، التي احتوتها آيات أُخر من كتاب الله المجيد، وهي قوله تعالى: {ن والقلم وما يسطرون} (القلم:1) فإذا كانت آيات سورة العلق فيها دعوة للقراءة، وحث عليها، لكشف آيات الله في الآفاق والأنفس، فإن آية سورة القلم فيها بيان وتعظيم لوسيلة القراءة وما به تكون، وكلاهما معًا طريق لمعرفة الخالق سبحانه وتعالى.

وختامًا: فإننا أمة قد نسيت أو تناست القراءة منذ زمن، وقد طال هذا النسيان، ونسيانها أو تناسيها مرض مزمن معقد حار الأطباء - على اختلاف اختصاصاتهم - في تشخيصه، فكيف في إيجاد العلاج له ؟ فهل إلى خروج من سبيل؟!


[/SIZE][/COLOR]


عاشق هاشم

  • Newbie
  • *
    • مشاركة: 12
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #39 في: تشرين الأول 02, 2013, 11:40:16 صباحاً
(( اللهم اغفر لها ولوالديها ما تقدم من ذنبهم و ما تأخر.. وقِهم
عذاب القبر وعذاب النار .. و ادخلهم الفردوس الاعلى مع
الانبياء و الشهداء و الصالحين...واجعل دعائهم مستجاب
بالدنيا والآخره اللهم اجمعين ))


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #40 في: تشرين الثاني 29, 2014, 06:18:57 مسائاً
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته






والله فضل بعضكم على بعض في الرزق





قوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) } (سورة النحل : 71).





أخبر سبحانه في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات، عن سُنَّة أقام الله عليها الحياة، وفطرةٍ فطر الناس عليها؛ سُنَّة ماضية بمضاء الحياة، لا تتبدل ولا تتغير؛ إنها سُنَّة التفاضل والتفاوت في الرزق، وأسباب الحياة الأخرى المادية والمعنوية.



وإذا كانت آيات أُخر قد أخبرت وأثبتت أن الرزق بيد الله سبحانه ومن الله، فإن هذه الآية قد جاءت لتقرر أمرًا آخر، إنه أمر التفاوت والتفاضل بين العباد، لأمر يريده الله، قد يكون ابتلاء واختبارًا، وقد يكون غير ذلك؛ فقد تجد أعقل الناس وأجودهم رأيًا وحكمة مقتَّرًا عليه في الرزق، وبالمقابل تجد أجهل الناس وأقلهم تدبيرًا موسعًا عليه في الرزق؛ وكلا الرجلين قد حصل له ما حصل قهرًا عليه، فالمقتَّر عليه لا يدري أسباب التقتير في رزقه، والموسَّع عليه لا يدري أسباب التيسير، ذلك لأن الأسباب كثيرة ومترابطة ومتوغِّلة في الخفاء، حتى يُظن أن أسباب الأمرين مفقودة وما هي كذلك، ولكنها غير محاط بها.



كتب عمر رضي الله عنه رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول له فيها: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضَّل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلي به كلاً، فيبتلي من بسط له، كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله، رواه ابن أبي حاتم.



قال الشوكاني عند تفسير هذه الآية: "فجعلكم متفاوتين فيه - أي الرزق - فوسَّع على بعض عباده، حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفًا مؤلَّفة من بني آدم، وضيَّقه على بعض عباده، حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها؛ وكما جعل التفاوت بين عباده في المال، جعله بينهم في العقل والعلم والفهم، وقوة البدن وضعفه، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وغير ذلك من الأحوال".



وعلى هذا فمعنى الآية: أن الله سبحانه - لا غيره - بيده رزق عباده، وإليه يرجع الأمر في تفضيل بعض العباد على بعض، ولا يسع العبد إلا الإقرار بذلك، والتسليم لما قدره الله لعباده، من غير أن يعني ذلك عدم السعي وطلب الرزق والأخذ بالأسباب، فهذا غير مراد من الآية ولا يُفهم منها، ناهيك عن أن هذا الفهم يصادم نصوصًا أُخر تدعوا العباد إلى طلب أسباب الرزق، وتحثهم على السعي في تحصيله، قال تعالى: {فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة:10) وفي الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) متفق عليه، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.



على أنه من المفيد هنا التنبيه إلى أن التفاضل الذي أقامه سبحانه بين عباده ليس محصورًا ولا مقصورًا على التفاضل المادي، من مال ومنافع فحسب، بل هو أشمل من ذلك وأعم، إذ يدخل فيه التفاضل في العلم والعقل، والقوة والضعف، وغير ذلك مما هو مشاهد في حياة الناس؛ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الموقف الرشيد والسديد من هذه السُّنَّة الكونية القناعة بما قسم الله ورزق، مع الأخذ بالأسباب لتحصيل كل ما هو مطلوب ومباح شرعًا، فالأمر منظور إليه من طرفين، طرف الرضى والقبول والاستسلام لأمر الله وقضائه، وطرف العمل والسعي المطلوب شرعًا؛ أما الاستسلام السلبي الذي يشل حركة الإنسان، ويدفع به إلى القعود والتراكن والخنوع، فليس هو الموقف الصحيح والرشيد، بل هو موقف قاصر وناظر إلى طرف واحد من أطراف المعادلة، غافل عن نظر آخر لا بد من اعتباره والسعي على وَفْقِه، فشتان بين الموقفين.



ثم إن هذه الآية على صلة وارتباط بآية أخرى في سورة النساء، وهي قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} (النساء:32) وسبب نزول هذه الآية - فيما رويَ - أن أمَّ سلمة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} رواه الترمذي.



قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله، وأَمَر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله.



وقال الطبري في معنى الآية: ولا تتمنوا - أيها الرجال والنساء - الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير، وليرضَ أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سلوا الله من فضله.



واعلم - أيها القارئ الكريم - أنه بسبب جهل بعض الناس بهذه السُّنَّة الكونية، دخل عليهم من الحسد والبلاء ما لا يحيط به قول ولا وصف، ولو قَنَع الناس بهذه السُّنَّة واستحضروها في تعاملهم ومعاملاتهم لكان أمر الحياة أمرًا آخر؛ أمَا وقد أعرض البعض عن فطرة خالقهم، ولم يسلموا ويستسلموا لِمَا أقامهم عليه، فقد عاشوا معيشة ضنكًا، وخسروا الدنيا قبل الآخرة. نسأل الله الكريم أن يرزقنا القناعة والرشاد والسداد في الأمر كله.




أخبر سبحانه في هذه الآية، وفي غيرها من الآيات، عن سُنَّة أقام الله عليها الحياة، وفطرةٍ فطر الناس عليها؛ سُنَّة ماضية بمضاء الحياة، لا تتبدل ولا تتغير؛ إنها سُنَّة التفاضل والتفاوت..


















المصدر
موقع اسلام ويب
[/SIZE]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #41 في: تشرين الثاني 29, 2014, 06:50:04 مسائاً

بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته








مقتبس من: محمد.ج;628920
بارك الله فيك أختي على كا ما تقومين به
لكن ملاحظة اذا سمحت.....
بعد رجوعي للمصدر لم أجد مرجعا واضحا بل هو موقع فحسب أم أني لم أعرف أنا المرجع
لذا يا ريت لو تدليني على مرجع أحسن لأنك تعرفين عظم كلام الله
و تقبلي مروري الثقيل
دمت متميزة احترامي





هدا كان سؤال للاخ محمد كان قد ساله فيما سبق خلال الموضوع و كنت اجبته
و  ربما يتبادر نفس السؤال في ادهان زوار الموضوع  و طبعا  اهمية المصدر  الموثوق ضرورية جدا في تقديم المعلومة ...فما بالك  ادا كان الموضوع تفسير كتاب الله الكريم
و هدا ما راعيته من البداية في اختيار مصدري و هو نفس المصدر  في كل الموضوع و هو موقع اسلام ويب و اضيف هنا

**موقع اسلام ويب موقع تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر....اي موقع رسمي


**من اقوال المهندس فهد الهاجري مدير عام اسلام ويب في حوار مع جريدة الراية القطرية



  *هل يوجد توجه لإخراج إسلام ويب من تحت عباءة وزارة الأوقاف وجعلها مؤسسة مستقلة؟
- لا.. وجودها تحت وزارة الأوقاف هو مكانها الطبيعي والمناسب ، وهي منذ إنشائها جزء من الوزارة ، وتحظى بالدعم الكبير من سعادة وزير الأوقاف ، لذلك ليس هناك أي توجه لإخراجها من تحت عباءة الوزارة.


* بعد مرور 11 سنة على إطلاق إسلام ويب ما هو الهدف الذي حققته حتى الآن ، وأين تجدون أنفسكم ؟
- إسلام ويب أنشئت منذ 11 سنة ، وتحديدا سنة 1998 م حيث كان تدشين الموقع ، وكانت لنا رسالة واضحة وهدف سام وهو أن يمثل الموقع المرجعية الأولى على الانترنت لنشر الثقافة الإسلامية ، واستخدام هذا الوافد الجديد (الإنتر نت) في نشر دين الله تعالى وتبيين أحكامه ، خصوصا أنه في تلك الفترة لم تكن المواقع الإسلامية قد كثرت ، وكان شعارنا في ذلك هو " السعادة تمتد " حيث نسعى إلى تحقيق السعادة للأسر عن طريق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقديم الأحكام الشرعية ، ومن هذه الرسالة انطلقت مشروعاتنا.

والآن ، وبعد مرور 11 سنة على إطلاق الموقع ،حققنا عدة مكاسب جعلت موقعنا الموقع الإسلامي الأول ، وذلك ما تبينه الإحصائيات التالية حيث يدخل الموقع قرابة خمسة ملايين زائر يوميا ، ويتكون من مليون وخمس مائة ألف صفحة ألكترونية بأربع لغات ، وثلاثة وثمانين ألف فتوى وثلاثين ألف استشارة ، ومائة وعشرين ألف ملف صوتي .. إضافة إلى حصوله على جائزة القمة العالمية لمجتمع المعلومات كأفضل موقع تعليم ألكتروني .. وغير ذلك من المزايا الأخرى التي تجعل إسلام ويب الموقع الإسلامي الأول .





**بالاضافة الى اني قمت بمراسلة الموقع سنة 2012 و دلك بعد سؤال الاخ محمد


و كنت قد سالت عن الاساتدة و الشيوخ الكرام الدين يكتبون المقالات و عن امكانية وضع اسمائهم باخر المقال





و جاء الرد من الموقع في    27 أبريل، 2012 10:38 م




الاخت الفاضلة/ مسلمة    ...  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد :
 فنشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا وقد سرنا كلامك الطيب وثناءك العطر ونحن بدورنا أيضا نشكرك على تحريك للأمانة في النقل والتثبت في المصادر وهذا شيء تشكرين عليه وهو دليل على العقلية الفذة التي تحملينها فجزاك الله خيرا وبالنسبة لطلبك نقول ان المقال يخرج باسم الموقع لأنها من حقوق الموقع ولا تخرج بأسماء الاشخاص فهذه سياسية الموقع المتبعة في ذلك. وكتابتك في المنتديات الالكترونية لاسم المصدر ( اسلام ويب ) كافٍ ولا يحتاج ذكر اسم معين لأننا في موقعنا نعمل باسم الفريق الواحد فالكتاب والمفتين والمستشارين كثر وسوف تتعدد الاسماء وتكثر ونحن في غنى ذلك لذا نعتذر عن ذكر أي اسم من الاسماء .وجزيتم خيرا ونفع الله بكم في الدارين.






تحدثت مجددا في هدا الامر  فقط لاضيف ما سبق وتطمئن قلوبكم للمصدر






[/size]


Sah_mustapha

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2758
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد #42 في: تشرين الثاني 29, 2014, 06:51:17 مسائاً
موضوع في منتهى الروعة
تنظيم ترتيب صياغة
جزاك الله خيرا



المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #43 في: تشرين الثاني 29, 2014, 06:55:12 مسائاً


بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته








مقتبس من: sah_mustapha;731961
موضوع في منتهى الروعة
تنظيم ترتيب صياغة
جزاك الله خيرا






شكرا جزيلا الاستاد الكريم
من دواعي سروري ان اوفق في تقديم مواضيع مفيدة
بارك الله فيك

و بارك الله في المصدر الطيب الدي نقلت لكم منه المعلومات
و قد تحدثت عن مصداقيته
حتى اني راسلتهم و قد كتبت ردهم في الرد السابق لي





[/size]


المهندسة مي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 2176
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد #44 في: تشرين الثاني 29, 2014, 07:12:41 مسائاً
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته




اليوم أكملت لكم دينكم







قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} (المائدة:3)






من آخر ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} (المائدة:3)، فهل كان الدين ناقصاً في أول أمره، ثم أتمه الله سبحانه بعدُ؟ وما هو المراد من إكمال الدين في الآية الكريمة ؟


ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير، إذ تجلى له جبريل صلى الله عليه وسلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته، فسجيت عليه برداء كان عليَّ.



وروى البخاري ومسلم أن رجلاً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنكم تقرؤون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأيُّ آية؟ قال: قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}، فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت عشية عرفة في يوم جمعة.




وقد روى الطبري عن هارون بن عنترة عن أبيه، قال: لما نزلت: {اليوم أكملت لكم دينكم}، وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر رضي الله عنهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كَمُل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت.




وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم}، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله عز ذكره، فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله، فلا يسخطه أبداً.




وفي الآية سؤال، وهو أن قوله سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم} يقتضي أن (الدين) كان ناقصاً قبل ذلك، وذلك يوجب أن (الدين) الذي كان صلى الله عليه وسلم مواظباً عليه أكثر عمره كان ناقصاً، وأنه إنما وجد (الدين) الكامل في آخر عمره مدة قليلة؟




فالجواب أن يقال له: لِمَ قلت إن كل نقص فهو عيب، وما دليلك عليه؟ ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر، هل يكون عيباً؟ ونقصان صلاة المسافر، أهو عيب لها؟ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} (فاطر:11)، أهو عيب له؟ وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات؛ فلو قيل عندما فرضها أربعاً: أكملها، لكان الكلام صحيحاً، ولا يرِدُ على ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة نقص قصور وخلل؛ ولو قيل: كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامه إليها وزائدة عليها، لكان ذلك صحيحاً أيضاً، فما أنكرتَ من نقصان أجزاء الدين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالى ليس بشين ولا عيب.



وقريب من هذا الجواب ما أجاب به بعض أهل العلم، فقال: إن (الدين) ما كان ناقصاً البتة، بل كان أبداً كاملاً، يعني كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أول وقت البعثة، بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد، ولا صلاح فيه، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت، وكان يزيد بعد العدم، وأما في آخر زمان البعثة، فأنزل الله شريعة كاملة، وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، فالشرع أبداً كان كاملاً، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة. وهذا اختيار الرازي.



وجواب ثالث يشدُّ أزر سابِقَيْه، ذكره ابن عاشور، قال: إكمال (الدين) هو إكمال البيان المراد لله تعالى، الذي اقتضت الحكمة تنجيمه وتفريقه، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد، وتفاصيل أحكام قواعد الإسلام، وشرائع المعاملات، وأصول النظام الإسلامي، كان بعد ذلك كله قد تم البيان المراد لله تعالى في قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل:89)، وقوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل:44)، بحيث صار مجموع التشريع كافياً في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان (الدين) وافياً في كل وقت بما يحتاجه المسلمون. ولكن ابتدأت أحوال جماعة المسلمين بسيطة، ثم اتسعت جامعتهم، فكان (الدين) يكفيهم لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتساعها؛ إذ كان تعليم (الدين) بطريق التدريج ليتمكن رسوخُه، حتى استكملت جامعة المسلمين كل شؤون الجوامع الكبرى، وصاروا أمة كأكمل ما تكون أمة، فكمل من بيان (الدين) ما به الوفاء بحاجاتهم كلّها، فذلك معنى إكمال (الدين) لهم يومئذٍ. وليس في ذلك ما يشعر بأن (الدين) كان ناقصاً، ولكن أحوال الأمة في الأمَمِيَّة غير مستوفاة، فلما توفرت، كمل (الدين) لهم، فلا إشكال على الآية.



وعلى الجملة، فإن المراد بـ (إتمام الدين): بلوغه أقصى الحد الذي كان له عنده سبحانه فيما قضاه وقدره، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصاً نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد، فيقال له: إنه كان ناقصاً عما كان عند الله تعالى أنه ملحقه به، وضامه إليه؛ كالرجل يبلغه الله مائة سنة فيقال: أكمل الله عمره؛ ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين كان ناقصاً نقص قصور وخلل.



وعليه، فلم يكن (الدين) في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه؛ لأن (الدين) في كل يوم، من وقت البعثة، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه الله للمسلمين يوماً فيوماً، فمن كان من المسلمين آخذاً بكل ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات، فهو متمسك بالإسلام، فإكمال (الدين) يوم نزول الآية إكمال له فيما يُراد به، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين.

وتأسيساً على ما تقدم: لا يصح أن يكون المراد من (الدين) في الآية القرآن؛ لأن آيات كثيرة نزلت بعد هذه الآية، وحسبك من ذلك بقية سورة المائدة.



وقوله سبحانه: {وأتممت عليكم نعمتي}، قال الطبري: يعني جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون، بإظهاركم على عدوي وعدوكم من المشركين، ونفيي إياهم عن بلادكم، وقطعي طمعهم من رجوعكم وعَوْدِكم إلى ما كنتم عليه من الشرك. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً، فلما نزلت {براءة} (التوبة:1)، فنفى المشركين عن البيت، وحج المسلمون، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة.



وقال ابن عاشور: وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف، فمكنهم من الحج آمِّين، مؤمنين، خالصين، وطوع إليهم أعداءهم يوم حجة الوداع، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمها عليهم، فلذلك قيَّد إتمام النعمة بذلك اليوم؛ لأنه زمان ظهور هذا الإتمام؛ إذ الآية نازلة يوم حجة الوداع على أصح الأقوال.



وأما قوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا}، فقد قال الطبري: يعني بذلك سبحانه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه {دينا}، يعني بذلك: طاعة منكم لي. وقال القرطبي: أي: أعلمتكم برضاي به لكم ديناً؛ فإنه تعالى لم يزل راضياً بالإسلام لنا ديناً؛ فلا يكون لاختصاص (الرضا) بذلك اليوم فائدة، إن حملناه على ظاهره.



وقال الشيخ السعدي: {ورضيت لكم الإسلام دينا}، اخترته، واصطفيته لكم ديناً، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكراً لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها.



وقد يراد بقوله سبحانه: {ورضيت لكم الإسلام دينا}، أي: رضيت إسلامكم الذي أنتم عليه {اليوم} ديناً باقياً بكماله، لا أنسخ منه شيئاً. قال ابن عاشور: يدل قوله: {ورضيت لكم الإسلام دينا} على أن هذا (الدين) دين أبدي؛ لأن الشيء المختار المدخر، لا يكون إلا أَنْفَسَ ما أُظهر من الأديان، والأَنْفَسُ لا يبطله شيء؛ إذ ليس بعده غاية، فتكون الآية مشيرة إلى أن نسخ الأحكام قد انتهى.



ثم إن الشيخ السعدي قال: كل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله.



وقد قال أصحاب الآثار: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعمر بعد نزولها إلا أحد وثمانين يوماً، أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة، ولا نسخ، ولا تبديل البتة، وكان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً. ومما يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جداً، وأظهروا السرور العظيم، إلا أبا بكر رضي الله عنه، فإنه بكى، فسئل عن ذلك، فقال: هذه الآية تدل على قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس بعد (الكمال) إلا الزوال، فكان ذلك دليلاً على كمال علم الصديق، حيث وقف من هذه الآية على ما لم يقف عليه غيره.













المصدر
اسلام ويب