عادة اجتماعية نحو الانقراض

ابن الحاج جلول فتحي

  • Hero Member
  • *****
    • مشاركة: 610
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في: حزيران 20, 2012, 04:34:23 مسائاً
بلادنا غنية  جدا  بالعادات و التقاليد و اللتي  اثرت  الجانب التراثي و التاريخي للجزائر و لعل من اهمها  التويزة  و هي  احد مظاهر التعاون و الترابط الاجتماعي  بين  السكان  والناس  عامة اليكم  دراسة  بسيطة  حولها
تشهد بعض المناطق في الجزائر انتشارا واسعا لظاهرة اجتماعية تسمى التويزة و التي تعتبر ميزة تضامنية ضربت بجذورها في عمق المجتمع و استطاعت أن تصمد لمئات من السنين كممارسة تعاونية لم تزل و لم تزعزعها هبة العصرنة و تغير الذهنيات و طغيان الفردانية التي عرفت طريقها إلى المجتمع الجزائري .
تعد التويزة من الظواهر الاجتماعية المستحبة التي ترسخت في المجتمع الأغواطي و بقيت كممارسة اجتماعية تضامنية رغم التطورات السوسيولوجية الحاصلة لتبقى بذلك موروثا يثبت روح التآزر و التآلف بين أفراد المجتمع الواحد على مدار السنة لكي تتقوى و تظهر بشكل جلي خلال موسمي الحصاد و الدرس و جني الثمار و البناء و تحضير الولائم و الوضائم .
أضحت التويزة علامة من علامات التضامن الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال حيث يتخذ منها الأغواطيون على غرار العديد من مناطق الوطن وسيلة للقيام بأشغال تعود بالنفع على الفرد و المجتمع و تبرز التويزة كظاهرة تحمل دلالات اجتماعية عميقة من بداية كل موسم حرث أو حصاد أو درس و حتى عند جمع المحاصيل و جني الثمار و كل عمل يحتاج إلى الجهد الجماعي و كذلك في التحضير لمختلف المناسبات و الأشغال و المبادرات المحلية التي تتطلب التعاون و التضامن بين أفراد المجتمع .
و في هذا أكد الدكتور قدودة أحميدة أن أصل التويزة يعود للفراعنة الذين بنو الأهرامات المصرية و لم يكن من باب العبودية كما يقول البعض و انتقلت إلى الجزائر مع الهبة التي طالت العالم من احتلال و تداخل العادات و التقاليد و هو ما نسميه اليوم بالعولمة و منها أصبحت التويزة مظهرا من مظاهر التعاون و التكاتف و التآزر بين أفراد العائلة أو العرش و امتدت إلى أبناء القرية فالمدينة من الجيران و لقيت هذه الظاهرة الاجتماعية استحسانا و انسجاما مع ما جاءت به تعاليم الدين الإسلامي فاتخذ منها الكثيرون سلوكا يخدم الصالح العام و يتداولها الناس بينهم ، فما أن يحل موسم الحرث أو الحصاد و الدرس إلا و أن تكتظ الضايات و البيادر بأشخاص من مختلف الأعمار للقيام بتلك الأعمال من غير أجرة المهم فيها تحقيق غاية هي المساعدة المتمثلة في التضامن و التآزر المعروفين محليا ب " التويزة " ، فجموع المتطوعين الذين يدعوهم أصحاب المزارع للقيام بمختلف الأعمال و لهم الأولوية في نيل الزكاة المعروفة محليا ب " العشور" من المحصول و هو ما يقدر بنسبة 10% المنتوج الذي يوزع على مستحقيه الثمانية الذين تناولتهم الآية الكريمة من سورة التوبة ( إنما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و بن السبيل ) .
و من المآثر المتوارثة إلى عهد قريب أن الفلاحين و سكان المدينة يحققون شبه اكتفاء ذاتي فيما يبنهم و يهدون لبعضهم البعض من المنتوجات المبكرة يسمونها (الفال) في جو من التواد و التكافل المستمد من القيم الإسلامية الراسخة في المنطقة ، كإصلاح السواقي و تنظيفها و بناء المنازل و ترميمها و كذلك في الأشغال الفلاحية الموسمية كجني المشمش و أثناء الحصاد و بالنسبة للنساء أعمال النسيج و الغسيل و تحضير الأكلات الشعبية كالطعام ، المردود ، الزريرة ، الرفسة ، الرفيس الفتات ، الكسرة بالدواء ...
و بطبيعة الحال فإن هذا الالتقاء العفوي للمتطوعين لا يمكن أن يخلو من الطقوس و العادات المتوارثة عن الآباء و الأجداد و التي تأخذ في الغالب شكل التهليل و التكبير و الحمد إلى جانب مدائح دينية عند بداية العملية و أثناءها إلى الانتهاء منها لترسخ بذلك سنة حميدة و يبارك الله تعالى في المحصول الذي يأملون دائما أن يكون وفيرا و فأل خير على السنة التي تليه حسب اعتقادهم .
و بالرغم من توفر آلات الحصاد و ما يمكنها أن تختصر من جهد ووقت إلا أن الأهالي لا يزالون يتمسكون بهذه العادة التي تتم بآلات بسيطة كالمنجل و المذراة و الدواب ، التي هي إحدى موروثات الرجل البدوي و تعيد ذكريات تشدهم إلى الماضي الذي يحنون إليه و ينتظرون قدوم السنة المقبلة بفارغ الصبر ليجتمع فيها الجميع على تكريس عمل خير كما أنها وسيلة من وسائل الترابط و التراحم الأسري بين أبناء العائلة أو العرش . و لعلها من أجل العادات الحسنة التي يتصف بها الجزائريون في عملياتهم التضامنية التي تكمن في التويزة التي لا يختلف فيها اثنان عن كونها تهدف إلى المعاونة و المساعدة بين الأفراد كما تقوي لحمة المجتمع و ترابط العائلات ، كما أنها تساهم في تعزيز الأمن و الاستقرار و الطمأنينة التي بدأت تتلاشى في كثير من الأوساط بمجتمعنا الراهن .

الحاج سليمان 85 سنة يرى أن التويزة تمثل عادة مستحبة و هي إحدى الحلقات التي تساهم في إبقاء الأخوة والصداقة و تمتن الروابط بين العائلات و تخلق الصداقات غير المادية و تستغل عادة في موسم جني الثمار حيث تحضر أحيانا عائلات بأكملها لمساعدة عائلات أخرى و تعكف العائلة الداعية على تحضير و جبة الغداء المتمثل في " الكسكسي " كما تذبح الخرفان احتفاء بالمناسبة التي يرونها سعيدة . الحال ذاتها في موسم الحصاد أو البناء ، أو النسيج ...
الحاج محمد بوقناشة مدير متوسطة في الخمسينيات من العمر يرى أن التويزة فعل جماعي مشترك يهدف إلى إنجاز عمل اجتماعي وإنساني لفائدة الشخص أو الجماعة ، و يتم بمبادرة تلقائية لتوحيد طاقة وأدوات المجموعة البشرية من أجل المساهمة في تنمية وتوعية الشرائح المجتمعية.
أثناء جولتنا الاستطلاعية تقربنا من أحد المزارعين المدعو " مشراوي الحاج الطاهر " في الخمسينيات الذي دعانا إلى حقله الذي أخذ حلة صفراء لامعة حين انعكست على سنابلها المنحنية أشعة الشمس الذهبية ... و عند توغلنا في الحقل و بلوغنا جانبا آخر منه وجدناه يعج بالرجال و الأطفال في مختلف الأعمار ... قال صاحب الحقل لا تتعجبوا فالدنيا مازالت بخير هؤلاء ليسو مأجورين و إنما تجندوا من أجل المشاركة في عملية الحصاد التي قد تستغرق أياما و قد ينتقل الجميع بعدها إلى ضيعة أخرى أو حقل ليقوموا بنفس العمل المتمثل في التويزة التي لا تقتصر فقط على الحصاد و إنما تشمل كل العمليات التي تتطلب مشاركة جماعية ... معظمهم كانوا يضعون على رؤوسهم مظلا فلاحيا مصنوعا من " الدوم " للوقاية من حرارة الشمس اللاذعة . بعضهم كان يستعمل المنجل لحصد سنابل القمح.. والبعض الآخر كان يسير وراءهم لجمعها و ربطها في حزم ما يسمى " بالقمُر " لينقلها الأطفال إلى مكان مخصص لذلك .. و بعد تجميعها تأخذ على ظهور الدواب أو العربات إلى " البيدر " المعروف محليا ب " النادر " أما الحاج الطاهر و أبناءه الأربعة فكانوا يعملون على راحة المتطوعين ليجلبوا لهم كل ما يحتاجون إليه من ماء و غذاء و وسائل عمل ... الرفيس ، الكعبوش ، البوصلوع و الزريزة أسماء مأكولات عادة ما تقدم كلمجة للمتطوعين المعروفين محليا ب " الشوالة " عند الضحى ... أما الغداء فالكسكس سيد الموائد و شيمة الكرم الفياض ... و كان لا بد علينا أن نتوقف قليلا أمام مشهد المتطوعين الذين يطلق عليهم اسم " الشوالة " لنحييهم بإشارة ودية رافعين أيدينا في اتجاههم.. و قلت في نفسي.. إذا كان البعض يبحث عن السعادة و لم يجدها بعد.. فإنها موجودة هاهنا.. بهذا المكان البعيد عن صخب المدينة .. بهذا الحقل البهيج الذي يعج بالأطفال و الرجال .. كان الجو جميلا يعبق برائحة القمح و التبن كما يصنع لوحة جمالية مرصعة بطيبة هؤلاء البسطاء من الناس . إنهم يتقاسمون الفرحة و النشاط و العمل .. إضافة إلى تقاسمهم الخبز و الماء و اللبن و فوق كل هذا وذاك تطبع على وجوههم المحبة و الصفاء تبرزه حبات العرق .. تشف عن سعادة جماعية متكاملة و متراصة.. غير ملوثة بنفايات " الحضارة و العولمة ، كما لم تعبث بها يد العصرنة الجافية .حضرتني عندها صورة عن حياة الأجداد و أنا أستنشق جرعات متتالية من هذه السعادة المجانية و المنبعثة من هذا المكان .. قلت لزملائي المراسلين الذين كانوا يلاحظون معي هذا المشهد الجميل بكل إعجاب .. كم هي رائعة هذه السعادة المجسدة أمامنا رغم بساطة العيش و قلة الإمكانيات و الوسائل .. فلماذا لا نجد مثلها في المدن الكبرى حيث يفرض الحضر عليها بشتى أنواع سلوكات الأنانية و المظاهر السلبية ألا يمكن توسيعها و نقلها في كل مكان ، فقد يصبح العالم أفضل و أجمل ..فإن ذلك لا يتطلب الكثير.. فهذه السعادة ليست باهظة الثمن .. قليل من الأشياء .. خبز و ماء و لبن .. ، قمح و شمس و هواء عليل .. و جمال في كل مكان .. و حتى براءة الأطفال تبدو غريبة عن براءة أطفال المدن ، و حياء النساء يطغى على كل الصور حيث لا تكاد ترى سوى ما تجود به أناملهن .. ظهرت مؤخرا بعض الجمعيات التي تهتم بهذا النوع من المبادرات التطوعية المساهمة من شأنها تنمية وتأهيل الأشخاص عن طرق أهداف دعم وتمكين الشخص المعاق ، و مؤازرة المنكوبين أثناء الكوارث الطبيعية ، و محاربة الفقر وجميع أشكال التهميش ، مع إنجاز ودعم برامج تنموية مندمجة لتحسين أوضاع الساكنة ، و خلق علاقات للحوار والتعاون مع مختلف الفاعلين التنمويين ، و تعزيز الصداقة والأمن بين المتطوعين بواسطة العمل التضامني ، و تعزيز أشكال التواصل والتكوين والإخبار والتنسيق ، فضلا عن تعبئة الموارد المالية والبشرية لتحقيق الأهداف المنوطة بها كتهيئة المساحات الخضراء بالحي خلال الورشات الصيفية المبرمجة ، و إقامة أنشطة تعبوية وتحسيسية بأهمية النظافة داخل أوساط المجتمع ، و تزويد المراكز الصحية بكميات من الأدوية بدعم من جمعيات أخرى لها ملمح من ملامح التويزة .
الحقيقة التي أصبحت جلية للعيان من السواد أن التويزة و إن كانت ظاهرة تعكس عادة حميدة إلا أن الحاجة الملحة للعيش الكريم و ما تتطلبه من وسائل لبلوغ الرفاهية التي تستوجب الكثير من المال حتى صار الجميع لا يتعاملون إلا بكل ما هو مادي و الغريب في الأمر أن الأنانية و البراقماتية السائدتين في مجتمعنا ترى أن التويزة موروث قديم كان لمرحلة ظل أناسها يرزحون في البساطة و الفقر و هو ما نفاه الدكتور قدودة قائلا و إن كان الغنى هو غنى النفس إلا أن بالتويزة كان الجميع يحقق كل ما يطمح إليه من مسكن و مأكل و ملبس و كانت راحة البال و الطمأنينة تمنع الكثير من أمراض العصر كالقلق الذي هو الأصل في العديد من الأمراض الأخرى التي كانت لم يعرفها الأجداد .
و للاسف  نحن نرى  هذه  العادة  تزول شيئا  فشيئا و علينا ان نتحرك  كمجمتمع مدني  من مواطنين و طلبة يهمهم   تاريخ بلادهم و موروثها الحضاري  الى  الابقاء على هذه العادة الحميدة